Beirut weather 29 ° C
تاريخ النشر September 14, 2026
A A A
الدولة لا تعرف متى يعود الجنوبيون… ولا إلى أين؟
الكاتب: زينب حمود

كتبت زينب حمود في “الأخبار”:
قبل السؤال: متى يعود أبناء الجنوب إلى قراهم؟ لا بد من طرح سؤال آخر يسبقه: إلى أين سيعودون؟
فإعادة الإعمار ليست، في جوهرها، مجرد عملية هندسية وعمرانية لإعادة تشييد ما تهدّم، بل هي أيضاً إعادة بناء للعلاقة بين الإنسان والمكان، وبين المجتمع والبيئة التي يعيش فيها، وبين الحاضر وذاكرة المكان وهويته. صحيح أن العدوان الإسرائيلي لا يزال مستمراً، وأن آلة التدمير تواصل استهداف الجنوب، إلا أن التخطيط لإعادة الإعمار لا يحتمل الانتظار إلى حين انتهاء الحرب.

فالوقت الذي يسبق عودة الناس هو الوقت المناسب للتفكير في شكل هذه العودة وشروطها. أما تأجيل التخطيط، فلا يفضي إلا إلى تكرار تجارب سابقة، حين تُفتح ورش البناء على عجل، وتُشيّد تجمعات عمرانية عشوائية تفتقر إلى الرؤية والتخطيط، تحت ضغط حماسة الأهالي واستسهال السلطة. وعندها، يُعاد إنتاج نموذج تنموي هشّ، يفاقم الأزمات البيئية، ويكرّس أخطاء السلامة العامة، ويقصي متطلبات الدمج، فضلاً عن تهديده للتراث والذاكرة والهوية اللبنانية، وتقويضه لأصالة المدن والقرى.

التراث والذاكرة
وبالفعل، بدأت تظهر مبادرات فردية وأخرى أطلقتها جمعيات ونقابات، كلّ منها من زاوية اختصاصه واهتمامه. فقد تنبّهت نقابة المهندسين في بيروت، على سبيل المثال، إلى مخاطر محو المعالم الأثرية، أو تنفيذ مشاريع إعمار متفرقة، أو تعميم نموذج واحد على مدن وقرى تختلف في تاريخها وطبيعتها وهويتها، أو استنساخ نماذج مستوردة من الخارج. لذلك أطلقت النقابة، في 20 آب الماضي، «المبادرة الوطنية لحماية الذاكرة العمرانية والتراثية للبنان».

وينطلق العمل في المرحلة الراهنة من التوثيق المكتبي، ريثما تسمح الظروف الأمنية بإجراء مسح ميداني للأماكن المتضررة. وبعد لقاءات مع الوزارات المعنية، تتركز الخطوة التالية، بحسب رئيس لجنة تنسيق المبادرة حبيب صادق، على «التشبيك مع البلديات في القرى والمناطق المتضررة، وربطها بكليات العمارة في الجامعات، إذ تتولى كل كلية العمل على منطقة محددة».

ويقول صادق إن «حماسة البلديات والجامعات مدهشة»، مشيراً إلى أن رؤساء البلديات طرحوا، خلال حفل إطلاق المبادرة، أفكاراً وهواجس مرتبطة بإعادة الإعمار، من بينها «أزمة العقارات غير الممسوحة». واقترح آخرون «الحفاظ على الطابع المقاوم خلال إعادة بناء القرى، كما يتجلى في الطرقات الضيقة والمنازل المتلاصقة، بدلاً من فرض نماذج حديثة كالأوتوسترادات». فيما لاحظت النقابة وجود فجوة كبيرة في تصنيف الأبنية ذات الطابع الأثري، إذ إن «عشرات الأبنية التي تحمل طابعاً تراثياً غير مدرجة على لوائح التراث في وزارة الثقافة. لذلك نسعى، بالتعاون مع البلديات، إلى تصنيف هذه الأبنية وبناء هوياتها»، وفق رئيس فرع المعمارية الاستشارية في نقابة المهندسين في بيروت بسام علي حسن.

لكن ماذا عن الأبنية التي تهدمت بالفعل، وهل لا يزال من الممكن تصنيفها؟
يجيب حسن بأن «المسألة تصبح أكثر تعقيداً، لكنها ليست مستحيلة»، خصوصاً مع إمكان استخدام الذكاء الاصطناعي والاستناد إلى الصور المتوافرة، بالتعاون مع البلديات. ويشدد على ضرورة إقناع الجيل الجديد بإعادة بناء المنازل وفق ما شيّدها الأجداد، والحفاظ على طابعها وقيمتها، وعدم الانجراف نحو نماذج هندسية «عصرية» تجرّدها من هويتها.

وستباشر النقابة عملية التوثيق من الصفر، رغم وجود تجارب سابقة أعقبت حروباً وانفجارات وكوارث طبيعية. وعلى أهمية تلك التجارب، إلا أنه يصعب البناء عليها، وفق مدير مرصد القضايا العمرانية في النقابة إيلي حاوي، لأنها «مبادرات غير موثقة». وهو ما يعكس «خطأً تراكم عبر سنوات داخل النقابة، بعدم حفظ بياناتها، في ظل واقع يضع التراث تحت تهديد دائم». ولهذا أُنشئ المرصد ليكون مساحة للمهندسين والطبوغرافيين وصنّاع القرار، وحتى لطلاب الهندسة، لعرض الأفكار والرؤى المرتبطة بإعادة الإعمار ومناقشتها، مع حفظ الحقوق الفكرية، وتقديم مراجعة علمية وتقنية يمكن أن تكون في متناول صانعي القرار.

ولأن حجم الأفكار والبيانات التي تدفقت على النقابة بعد إطلاق المبادرة كبير، فيما الحاجة إلى فرزها وتحليلها سريعة، يقول حاوي إن «الحاجة باتت ملحّة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي». ويقر بأن «المركز لا يملك حالياً تقنيات ذكاء اصطناعي متقدمة، لكننا نعمل على تطوير نظام ذكي خاص بالنقابة، مع الحرص على توفير مستويات حماية عالية للبيانات الحساسة، بما يمنع أي محاولات اختراق».

الذكاء الاصطناعي… من التوثيق إلى الإعمار
ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على التوثيق، بل يمكن أن يدخل في مراحل متعددة من عملية إعادة الإعمار. وتشرح رئيسة الهيئة اللبنانية للعقارات، المحامية أنديرا الزهيري، كيفية توظيف هذه التقنيات لتسريع عملية الإعمار وتحقيق أفضل النتائج، بدءاً من «المسح الذكي للمباني باستخدام الطائرات المسيّرة، والتصوير الجوي، ونظم المعلومات الجغرافية (GIS)، والاستشعار عن بُعد، بما يتيح تحديد الأضرار والمباني الخطرة بسرعة ودقة». وتقترح كذلك إنشاء نظام رقمي موحّد للتراخيص، يسمح بتقديم المخططات والوثائق إلكترونياً، ومتابعة الطلبات ومعرفة المرحلة التي وصلت إليها، بدلاً من الدوران في دوامة المعاملات الورقية. وعلى مستوى التنفيذ، يمكن استخدام التكنولوجيا لمراقبة مراحل البناء والتأكد من الالتزام بالمخططات وشروط السلامة.

وتتطلع الزهيري إلى «تحويل العدوان إلى فرصة ذهبية لبناء مدن ذكية أكثر قدرة على الصمود، ومبانٍ أكثر كفاءة في استخدام الطاقة والمياه، وأكثر استعداداً لمواجهة الزلازل والحرائق والكوارث وتغيّر المناخ».

وقد يبدو ذلك، للوهلة الأولى، أقرب إلى الحلم منه إلى مشروع قابل للتنفيذ، لكن الزهيري تشير إلى أن «عدداً من الدول العربية خاض تجارب ناجحة في مجال المدن الذكية، من بينها الأردن والإمارات والسعودية والمغرب». وترى أن خصوصية لبنان، لناحية محدودية المساحة وطبيعة أراضيه غير الصحراوية، قد تجعل تطبيق بعض هذه الحلول أكثر سهولة وأقل كلفة، مع تقليص الحاجة إلى فرق بشرية ضخمة وتسريع التنفيذ. وتشير إلى أن المنظمات الدولية تميل بصورة متزايدة إلى دعم المشاريع التي توظف الذكاء الاصطناعي في حماية البيئة وتضع التغير المناخي في صلب أولوياتها، ما قد يجعل هذه المقترحات أكثر قدرة على استقطاب التمويل والمساعدات الدولية.

فرصة لتصحيح الأخطاء
وإلى جانب التكنولوجيا، يمكن أن تكون إعادة الإعمار من الصفر فرصة لبناء نموذج عمراني يراعي معايير السلامة العامة منذ لحظة وضع المخطط، بدلاً من محاولة معالجة الأخطاء بعد وقوعها. ومن هذا المنطلق، «يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي دوراً أساسياً عبر أنظمة قادرة على تحليل البيانات بشكل مستمر والتنبؤ بالمخاطر قبل وقوعها، إلى جانب مراقبة الحالة الإنشائية للمباني ورصد مؤشرات التشققات أو الاهتزازات أو أي تغيرات غير طبيعية، مع إطلاق إنذارات مبكرة عند ظهور أي خطر».

وتكتسب هذه التقنيات أهمية مضاعفة عندما يتعلق الأمر بالفئات الأكثر حاجة إلى الحماية، ولا سيما الأشخاص ذوو الإعاقة وكبار السن والأطفال والحوامل. وتشير الزهيري إلى أن «المبنى الذكي، عبر أجهزة الاستشعار والأنظمة المتصلة، قادر على رصد حالات الطوارئ وتحديد أماكن وجود هؤلاء الأشخاص، وتوجيههم نحو مخارج آمنة، أو إعطاء الأولوية لعمليات المساعدة والإخلاء وفقاً لدرجة الحاجة».

الدمج
«يعمّروا بلا عوائق ويكتر خيرن». بهذه العبارة تختصر رئيسة «الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركياً» سيلفانا اللقيس واقع العلاقة بين إعادة الإعمار وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. وتقول إن «القضية مهمة جداً، لكننا ما زلنا بعيدين كل البعد عن التطبيق بسبب غياب الإرادة السياسية». وتشير إلى أن ذلك اتضح لها بعد حرب الـ66 يوماً، عندما طُرح قانون إعادة الإعمار من زاوية الضرائب والرسوم، مع الإشارة إلى مراعاة الزلازل، من دون أي ذكر لمسألة الدمج. كما زارت وزارات ومؤسسات رسمية لطرح قانون حقوق الأشخاص المعوقين الرقم 220/2000 ضمن رؤية إعادة الإعمار، لكنها وجدت أن بعض الجهات «في عالم آخر».

ومع ذلك، تؤكد اللقيس أن «المهمة اليوم هي عدم تكرار النموذج السابق، ولو بالحد الأدنى»، مشددة على ضرورة تجهيز المساحات العامة والمؤسسات الرسمية بمنحدرات ومداخل واسعة ومراحيض دامجة.

وفي هذا الإطار، عقدت الجمعيات المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة اجتماعاً تشاورياً مع نقابة المهندسين، وتوصلت إلى مسودة مواصفات للأرصفة الدامجة والخالية من العوائق، تمهيداً لعرضها على مؤسسة المقاييس والمواصفات اللبنانية في وزارة الصناعة.

الإعمار البيئي
في البعد البيئي، غالباً ما يُنظر إلى الاعتبارات البيئية باعتبارها عبئاً إضافياً على عمليات إعادة الإعمار، في وقت تكون الأولوية فيه لإعادة بناء ما تهدم بأسرع ما يمكن. إلا أن هذا المنطق قد يكون قصير النظر، لأن إعادة البناء من دون معالجة آثار الحرب البيئية تعني، عملياً، إعادة إنتاج المشكلة نفسها في ثوب جديد.

فـ«إعادة الإعمار البيئي تُعد شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والصحي. وقد أظهرت تجارب عدة أن دمج الاعتبارات البيئية في مراحل إعادة الإعمار يسهم في خلق فرص عمل جديدة، وخفض التكاليف التشغيلية على المدى الطويل، وتعزيز قدرة المجتمعات على التكيف مع تغير المناخ»، بحسب ما يرد في مقال للكاتب المتخصص في الشأن البيئي حبيب معلوف بعنوان «إعادة الإعمار البيئي بعد الحروب: كشرط أساسي لتحقيق الاستقرار والعدالة»، والمنشور في «الشبكة العربية غير الحكومية للتنمية».
ويشير معلوف إلى أن الإعمار البيئي يبدأ من مرحلة إزالة الأنقاض والنفايات العسكرية بطريقة آمنة، ومعالجة التلوث في التربة والمياه الجوفية والأنهار، وصولاً إلى إعادة تأهيل المناطق الصناعية المتضررة وحسن إدارة الردميات.

وتحت عنوان «التعافي الأخضر»، يلفت إلى أهمية استعادة الغابات والغطاء النباتي، وحماية التنوع البيولوجي والموائل الطبيعية، وإعادة بناء أنظمة الرصد والإدارة البيئية. وبدلاً من إعادة تنظيم المدن بالأسلوب التقليدي، يوصي باعتماد نهج «المدن الخضراء»، واستبدال محطات الطاقة المركزية الكبيرة المتضررة، والمعتمدة على الوقود الأحفوري، بمصادر الطاقة المتجددة النظيفة واللامركزية.