Beirut weather 34 ° C
تاريخ النشر September 8, 2026
A A A
بين مقاومة الاحتلال وإدارة الصراع: من يضمن ألّا ندفع ثمن حرب لا نملك شروطها؟
الكاتب: د. عبّاس حيدر

كتب د. عبّاس حيدر في “اللواء”:

ليس السّؤال السياسي الأصعب اليوم: هل إسرائيل عدوّ؟ فهذا أمر لا يحتاج إلى كثير من الجدل. السّؤال الأصعب والأكثر مسؤولية هو: كيف نتعامل مع عدوّ نعرف عدوانيته، من دون أن نمنحه نحن الظّروف التي تجعل عدوانه أكثر كلفة علينا؟

هذه هي المسألة التي ينبغي أن تخرج من دائرة الشّعارات إلى دائرة السياسة والعقل والمصلحة الوطنية.

فمن يقول إنّ إسرائيل كيان عدواني لا يقول بالضّرورة إنّ الحرب المفتوحة معه يجب أن تكون قدراً دائماً. ومن يرفض التّطبيع والاحتلال والتّهويد لا يعني أنّه يرفض السّلام العادل. ومن يدافع عن فلسطين لا يُلزم بالضرورة بأن يجعل لبنان أو العراق أو أي بلد آخر ساحة مفتوحة لحرب لا يملك وحده قرارها ولا شروطها ولا نتائجها.

المشكلة تبدأ عندما يتحول العداء السياسي والأخلاقي للاحتلال إلى إعلان دائم لحرب عسكرية لا نملك القدرة على تحقيق أهدافها.

في السياسة، لا يكفي أن يكون الهدف عادلاً حتى يكون تحقيقه ممكناً بالطّريقة التي نختارها.

قد تكون القضية عادلة، لكن الوسيلة غير قادرة على بلوغها. وقد يكون العدو ظالمّا، لكنّ الدّخول معه في مواجهة غير متكافئة قد يؤدّي إلى تدمير المجتمع الذي يفترض أن نحميه.

وهنا يجب أن نفرّق بين ثلاثة أمور:

عدالة القضية، وضرورة المقاومة، وجدوى الحرب.

فالقضيّة الفلسطينية يمكن أن تبقى قضية عادلة وإن تغيّرت أدوات مواجهتها. والمقاومة يمكن أن تكون حقًّا مشروعاً في مواجهة الاحتلال والعدوان. لكنّ ذلك لا يعني أنّ كل حرب تخاض في كل زمان هي بالضّرورة حرب حكيمة، أو أنّ كلّ تصعيد يحقّق بالضّرورة مصلحة القضية التي نرفع شعارها.

فالسياسة الرشيدة لا تسأل فقط: ماذا نريد؟ بل تسأل أيضاً: ماذا نستطيع؟ وما الثّمن؟ وما النّتيجة المحتملة؟

من يضمن لنا؟ يُطرح السّؤال دائماً: إذا تراجعنا عن الحرب المفتوحة، فمن يضمن أنّ إسرائيل لن تعتدي علينا؟

والجواب الصريح: لا أحد يملك هذا الضمان. لكنّ السّؤال نفسه يمكن أن يُقلب:

من يضمن أنّ إبقاء الحرب مفتوحة سيمنع إسرائيل من الاعتداء؟ من يضمن النّصر؟ من يضمن حماية المدنيين؟ من يضمن ألا تُدمّر المدن والقرى؟ من يضمن ألا يدفع الناس ثمن صراع تتجاوز أهدافه حدود قدرتهم على الاحتمال؟ ومن يضمن أنّ إعلان الحرب الدّائمة لن يتحوّل إلى ذريعة سياسية وإعلامية يستثمرها الخصم لتبرير اعتداءاته؟ لا أحد يملك هذه الضمانات أيضاً. ولهذا فإنّ بناء السياسة على سؤال «من يضمن»؟ وحده يقود إلى طريق مسدود. الدّول والشّعوب لا تُدار بالضّمانات المطلقة، بل بحساب المخاطر والمصالح والقدرات والنتائج.

أخطر ما يمكن أن يحدث للقضية الفلسطينية هو أن تتحوّل من قضية شعب وحقوق وأرض واحتلال إلى مجرّد عنوان لحرب إقليمية مفتوحة، يدفع ثمنها شعب آخر، فيما يبقى الهدف السياسي الأصلي بعيداً عن التّحقّق. ففلسطين ليست بحاجة إلى أن نخسر لبنان حتى تبقى حاضرة. وليست بحاجة إلى تدمير قرى الجنوب حتى تبقى في الوجدان. وليست بحاجة إلى تحويل الدولة اللبنانية إلى ساحة مواجهة دائمة حتى نثبت أنّنا لم ننسَها. يمكن أن تبقى فلسطين في الضمير والسياسة والثقافة والقانون والإعلام، وأن يبقى الاحتلال مرفوضاً، وأن يبقى حق الفلسطينيين ثابتاً، وأن يبقى التّطبيع موضع رفض، من دون أن يعني ذلك أن لبنان مطالب بأن يحمل وحده عبء معركة لا تستطيع المنطقة بأسرها أن تخوضها عسكريًّا

وهنا ينبغي أن نطرح السؤال الأكثر قسوة:

هل خدمة فلسطين تكون دائماً بإطلاق النّار، أم يمكن أن تكون أحياناً ببناء دولة قوية تحفظ أرضها وشعبها وتمنع تحويلها إلى ساحة صراع؟

المقاومة لا تعني إلغاء الدولة، المعضلة اللبنانية ليست في وجود مقاومة للاحتلال بحدّ ذاته، بل في السّؤال المتعلّق بموقع قرار الحرب والسلم داخل الدولة. إذا كانت الدولة موجودة لحماية الناس، فإنّ منطق الدولة يفرض أن يكون قرار الحرب مرتبطاً بمصلحة المجتمع كله، لا بمصلحة جماعة أو محور أو لحظة سياسية.

وهذا لا يعني إلغاء المقاومة أو نزع شرعيّة الدفاع عن الأرض، بل يعني الانتقال من منطق «نحن في حرب دائماً» إلى منطق «نحن مستعدّون للدفاع عندما يُعتدى علينا، ونمتلك من القوّة ما يمنع الاعتداء قدر الإمكان». إن الفرق بين المنطقين كبير. الأول يجعل الحرب حالة دائمة. أما الثاني فيجعل القوة أداة للردع والدفاع. والقوّة الحقيقية ليست فقط في القدرة على إطلاق النار، بل في القدرة على اختيار متى نستخدمها، ومتى لا نستخدمها، ولماذا نستخدمها، وما الذي نريد تحقيقه بعدها.

هناك خطأ شائع في النّقاش السياسي: إمّا أن تكون مع المقاومة بكل خياراتها، وإمّا أن تكون مع إسرائيل.

وهذا اختزال خطير. يمكن للبناني أن يرفض الاحتلال، وأن يدافع عن فلسطين، وأن يرفض التّطبيع، وأن يؤمن بحق الشّعوب في مقاومة الاحتلال، وفي الوقت نفسه يسأل عن جدوى بعض الخيارات العسكرية وعن كلفتها على لبنان. بل إن السؤال النّقدي من داخل بيئة المقاومة قد يكون أكثر أهمية من السّؤال القادم من خارجها؛ لأنّ المقاومة التي تخاف من النّقد تتحوّل مع الوقت من مشروع مقاومة إلى مشروع عقائدي مغلق على نفسه. المقاومة تحتاج إلى عقل سياسي كما تحتاج إلى قوّة عسكرية. وتحتاج إلى مراجعة كما تحتاج إلى ثبات. وتحتاج إلى قراءة موازين القوى كما تحتاج إلى الشّجاعة، فالشّجاعة ليست أن تدخل كل معركة، بل أن تمتلك شجاعة القول: هذه المعركة لا تخدم هدفنا الآن.

لا نريد سلاماً ساذجاً. في المقابل، فإن الدّعوة إلى خفض التّصعيد لا تعني السّذاجة تجاه إسرائيل.

لا أحد عاقل يقول إنّ التنازل عن أوراق القوّة سيحوّل إسرائيل إلى دولة مسالمة، ولا أحد يستطيع أن يبني أمن لبنان على حسن نيّات خصمه، لذلك فإنّ البديل عن الحرب الدّائمة ليس الاستسلام، بل الرّدع.

والرّدع يحتاج إلى قوّة عسكرية، وإلى دولة متماسكة، وإلى اقتصاد قادر على الصّمود، وإلى دبلوماسية فاعلة، وإلى علاقات عربية ودولية متوازنة، وإلى إعلام قادر على كشف الاعتداء، وإلى وحدة داخلية تمنع الخصم من استثمار الانقسام اللبناني، وهنا تصبح القوّة أكثر ذكاءً من مجرّد امتلاك السّلاح.تصفح الخرائط الجغرافية

 

في زمن الأزمات، يسهل على السياسي أن يرفع سقف الخطاب، وأن يتحدّث عن النّصر والكرامة والمواجهة، لكنّ الصّعوبة الحقيقية تبدأ عندما يُسأل: ماذا بعد؟ من سيدفع الكلفة؟ كيف سنعيد بناء المدن؟ كيف سنحمي الاقتصاد؟ كيف سنحافظ على التعليم؟ كيف سنمنع الهجرة؟ كيف سنعيد المهجرين إلى قراهم؟ كيف نحمي الدولة من الانهيار؟ وكيف نحافظ على القضية التي نقاتل باسمها من دون أن نخسر الوطن الذي يفترض أن يكون حاضنتها؟ هذه الأسئلة ليست انهزامية، إنها أسئلة وطنية بامتياز. فالسياسة التي لا ترى الإنسان خلف الخندق، والبيت خلف الصّاروخ، والمدرسة خلف الدخان، والقرية خلف الخريطة العسكرية، هي سياسة ناقصة مهما كان خطابها مرتفعاً. من يملك قرار الحرب؟ ربما يكون السؤال الأهم لبنانياً ليس: هل نقاوم أم لا؟ بل: من يقرّر متى تبدأ الحرب؟ ومن يقرّر متى تنتهي؟ ومن يحدّد أهدافها؟ ومن يحاسب على نتائجها؟

إذا كان لبنان دولة، فلا يمكن أن يبقى قرار الحرب والسلم خارج النّقاش الوطني. وإذا كانت المقاومة جزءاً من معادلة حماية الوطن، فإنّ هذه المعادلة يجب أن تتطوّر باتّجاه حماية الوطن لا تحويله إلى ساحة دائمة.

فالقوّة التي لا تجد مكانها داخل مشروع الدولة تتحوّل مع الوقت إلى مصدر انقسام، والدولة التي لا تملك قوة تحمي قرارها تتحوّل إلى مجرّد إدارة للأزمات. والحلّ ليس في إلغاء أحدهما، بل في بناء صيغة وطنيّة تجعل المقاومة والدّولة والقوّة والقرار السياسي جزءاً من مشروع حماية لبنان، لا عناصر متنافسة على لبنان.

الخلاصة: لسنا مطالبين بضمان المستقبل، لا أحد يستطيع أن يضمن أنّ إسرائيل لن تعتدي غداً، لكنّنا نستطيع أن نقرّر كيف نتصرف اليوم، نستطيع أن نرفض الاحتلال من دون أن نعلن حرباً مفتوحة لا نملك شروطها، نستطيع أن ندعم فلسطين من دون أن نختزل فلسطين في الصّواريخ، نستطيع أن نمتلك القوّة من دون أن نستعجل استخدامها، نستطيع أن نردع العدو من دون أن نعطيه دائماً فرصة اختيار توقيت الحرب.

نستطيع أن ندافع عن لبنان عندما يُعتدى عليه، وأن نرفض في الوقت نفسه أن يصبح لبنان مشروع حرب دائمة، ويمكننا أن نقول بوضوح: لسنا محايدين أمام الاحتلال، لكنّنا أيضاً لسنا ملزمين بالانتحار السياسي والعسكري باسم مقاومة لا نراجع وسائلها. فالقضية العادلة لا تحتاج إلى عقل أقلّ، بل إلى عقل أكثر.

والمقاومة الحقيقية لا تقاس فقط بعدد المعارك التي خضناها، بل أيضاً بعدد الحروب التي استطعنا أن نمنعها. أما السّؤال: من يضمن؟ فربما يكون الجواب الأكثر مسؤولية:

لا أحد يضمن المستقبل، لكن مسؤوليتنا أن نجعل المستقبل أقل خطراً على أهلنا، وأن نستخدم القوة عندما تكون ضرورة، لا عندما تصبح عادة، وأن نفرّق بين الشجاعة والاندفاع، وبين المقاومة والمغامرة، وبين الدفاع عن الوطن واستخدام الوطن ساحةً لصراعات أكبر منه. فليس المطلوب أن نثق بالعدو.

المطلوب أن نثق بعقولنا أكثر من انفعالاتنا، وبالدّولة أكثر من الفوضى، وبحسابات المصلحة الوطنية أكثر من الشّعارات، وبقدرتنا على حماية شعبنا أكثر من قدرتنا على إعلان الحروب.