Beirut weather 33 ° C
تاريخ النشر August 21, 2026
A A A
حادث سبلين يعيد فتح ملف السلامة المرورية: دولة بلا معاينة ولا استراتيجية

كتبت زينب عوض 

خمسة قتلى في حادث واحد كانوا كافين لإعادة ملف السلامة المرورية إلى الواجهة. لكنّ حادث مفرق سبلين ـــ وادي الزينة في قضاء الشوف، مساء الأربعاء، لم يخلق المشكلة، بل كشف مجدداً نتائج منظومة متروكة منذ سنوات: معاينة ميكانيكية معلّقة، طرقات تفتقر إلى شروط السلامة، رقابة محدودة، ومجلس وطني للسلامة المرورية لا يجتمع، فيما ترتفع أعداد الحوادث والقتلى والجرحى عاماً بعد عام.

وبحسب المديرية العامة للدفاع المدني، أودى الحادث بحياة خمسة أشخاص. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن سائق «بيك آب» فقد السيطرة على مركبته، وسط معلومات عن خلل في المكابح، قبل أن يصطدم بعدد من السيارات، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى. وإذا كان تحديد السبب المباشر للحادث يحتاج إلى نتائج التحقيق، فإن الواقعة أعادت طرح سؤال أبعد من ظروفها المباشرة: ماذا تفعل الدولة أصلاً لتقليل احتمال وقوع حوادث مماثلة؟

 

رئيس الأكاديمية اللبنانية الدولية للسلامة المرورية، كامل إبراهيم، يضع المشكلة في إطارها الأوسع، معتبراً أن «ما نشهده اليوم هو غياب للدولة في ما يتعلق بالسلامة المرورية، باستثناء بعض الإجراءات التي تقوم بها وزارة الداخلية». فالحوادث، وفق إبراهيم، لا تُعالج «في أي دولة في العالم من خلال إجراءات متفرقة، بل ضمن استراتيجية شاملة تتحمل الحكومة مسؤوليتها».

وتقوم أي استراتيجية للسلامة المرورية، كما يشرح، على ثلاثة عناصر مترابطة: «طرقات آمنة، ومركبات آمنة، وسلوك آمن». لكن تأمين هذه العناصر يحتاج إلى قرار سياسي وتمويل وإمكانات بشرية ولوجستية، تسمح للقوى الأمنية بتطبيق القانون وللإدارات المعنية بأداء مهماتها، بدلاً من حصر التعامل مع الملف بحملات متقطعة تلي الحوادث أو ترتبط بالمناسبات.

 

أربع سنوات بلا معاينة

في جانب «المركبات الآمنة»، تغيب منذ سنوات إحدى أبسط أدوات الرقابة: المعاينة الميكانيكية. ففي 20 أيار 2022، صدر قرار وزير الداخلية والبلديات السابق بسام مولوي بتعليق إلزامية المعاينة حتى إشعار آخر، وبات ممكناً استيفاء رسوم السير السنوية من دون إلزام صاحب المركبة بإبراز إفادة تثبت خضوعها للمعاينة الدورية.

ويرى إبراهيم أن استمرار تعليق المعاينة أوجد ثغرة أساسية في منظومة السلامة، إذ يفترض بها أن تكشف الأعطال التي قد تتحول على الطريق إلى سبب مباشر للحوادث. وفي بلد أدّت فيه الأزمة الاقتصادية إلى تراجع القدرة على صيانة المركبات دورياً، تصبح الرقابة على الإطارات والمكابح وسائر العناصر الفنية أكثر إلحاحاً، لا أقل أهمية.

ويزداد الخطر مع اقتراب فصل الشتاء. فالأمطار والطرقات الزلقة ترفعان أثر الأعطال الفنية التي قد لا تظهر بالوضوح نفسه في الظروف العادية، ما يجعل استمرار غياب المعاينة عاملاً إضافياً في رفع المخاطر.

 

الطريق جزء من الحادث

لكن صلاحية المركبة ليست سوى جزء من المشكلة. فالطريق نفسه عنصر أساسي في منظومة السلامة، وهو ما يضع وزارة الأشغال العامة والنقل أمام مسؤولية تتجاوز أعمال التزفيت والصيانة الدورية.

وبحسب إبراهيم، يفترض أن تعمل الوزارة على تأمين بنية تحتية أكثر أماناً، فيما يبقى ما تقوم به حالياً «غير كافٍ». فالسلامة لا تقتصر على نوعية الإسفلت، بل تشمل تصميم الطريق وتجهيزاته وسائر العناصر التي تحدّ من احتمال وقوع الحوادث أو من خطورتها عند وقوعها.

ويضاف إلى ذلك التوسع الكبير في استخدام الدراجات النارية خلال السنوات الأخيرة، وما رافقه من مخالفات ومخاطر متزايدة، بالتوازي مع تراجع القدرة الردعية للغرامات. لذلك، يشدد إبراهيم على الحاجة إلى «تعديل قيمة الغرامات، والتشدد في تطبيق القانون»، ضمن خطة متكاملة، بدلاً من إبقاء السلامة المرورية رهينة إجراءات متفرقة.

 

42% زيادة في الحوادث خلال عام

الأرقام تخرج الملف من خانة الحوادث الفردية. فبحسب أرقام «الدولية للمعلومات»، سُجّل خلال الأشهر الـ11 الأولى من عام 2025 نحو 3052 حادث سير، في مقابل 2153 حادثاً خلال الفترة نفسها من عام 2024، أي بزيادة تقارب 42%.

وفي الفترة نفسها، ارتفع عدد القتلى من 411 إلى 486، بزيادة تقارب 18%، فيما قفز عدد الجرحى من 2404 إلى 3550، أي بنحو 48%.

ولا تقتصر الخسارة على الضحايا وعائلاتهم. إذ أشارت الأمم المتحدة، في تقييم لوضع السلامة المرورية في لبنان، إلى تحديات كبيرة تواجه القطاع، مقدّرةً الخسائر الاقتصادية الناتجة من الوفيات والإصابات الخطيرة على الطرق بنحو 4.4% من الناتج المحلي، مع الإشارة أيضاً إلى ارتفاع مخاطر بعض فئات المركبات، ومنها الشاحنات والحافلات الصغيرة.

 

سُجّل خلال الأشهر الـ11 الأولى من عام 2025 نحو 3052 حادث سير، في مقابل 2153 حادثاً خلال الفترة نفسها من عام 2024، أي بزيادة تقارب 42%.

 

السلامة المرورية «في الجوارير»

أمام هذه الأرقام، لا تزال الإدارة الرسمية للملف أدنى من حجم الخسائر. فالمجلس الوطني للسلامة المرورية، الذي يرأسه رئيس الحكومة بموجب القانون، لم يلتئم، بحسب إبراهيم، منذ تولّي الحكومة الحالية مهماتها.

والمفارقة أن السلامة المرورية وردت في البيان الوزاري للحكومة، إلا أن الملف بقي، وفق إبراهيم، «في الجوارير».

حادث سبلين لم يبدأ مأساة الطرقات اللبنانية، ولن يكون خاتمتها. خمسة قتلى في مساء واحد أعادوا إظهار كلفة منظومة تُترك فيها المركبات من دون معاينة إلزامية، والطرقات من دون شروط سلامة كافية، والقوانين من دون قدرة ردعية كافية، فيما تغيب الاستراتيجية التي يفترض أن تجمع كل هذه العناصر.

وما دامت السلامة المرورية ملفاً يُفتح بعد سقوط الضحايا ويُغلق بعد انحسار الاهتمام، ستبقى الحوادث تُعامل كوقائع منفصلة، فيما تشير الأرقام إلى مشكلة بنيوية تتحمل الدولة مسؤولية معالجتها قبل الحادث، لا بعده.