Beirut weather 34 ° C
تاريخ النشر August 10, 2026
A A A
الخريطة الإسرائيلية.. تكشف نوايا العدو الخبيثة..
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في سفير الشمال 

لم تكن الخريطة التي نشرتها وزارة الخارجية الإسرائيلية، وأظهرت أجزاء من جنوب لبنان ضمن حدود الكيان الإسرائيلي، تفصيلاً عابرًا أو خطأً في الرسم يمكن تجاوزه بتبرير تقني، بل تبدو أقرب إلى رسالة سياسية، جاءت في توقيت حساس، بينما يخوض لبنان مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، عنوانها: “إنهاء الاحتلال وتثبيت الحقوق والسيادة اللبنانية”.

 

 

 

قد تحاول إسرائيل تبرير احتلالها لأجزاء من الجنوب بذريعة أمنية، أو تقديمه باعتباره إجراءً مؤقتًا تفرضه الظروف الميدانية، لكن إدراج هذه الأراضي في خريطة رسمية صادرة عن وزارة الخارجية ينقل المسألة من احتلال ميداني قابل للتفاوض إلى محاولة لتطبيع الاحتلال سياسيًا وتثبيته كأمر واقع على الأرض.

 

 

كيف يمكن للكيان الإسرائيلي أن يجلس إلى طاولة المفاوضات لمناقشة انسحابه من أراضٍ لبنانية، ثم يرسم هذه الأراضي في خرائطه الرسمية باعتبارها جزءًا منه؟ وهل تدخل إسرائيل المفاوضات فعلًا بهدف التوصل إلى تسوية تنهي الاحتلال، أم أنها تستخدم التفاوض كمسار موازٍ لتثبيت الوقائع التي تفرضها بالقوة؟

 

 

 

الوقائع التي شهدها الجنوب خلال الأشهر الماضية لا تمنح كثيرًا من أسباب التفاؤل. فالاعتداءات مستمرة، والاحتلال قائم، والوقائع الميدانية آخذة بالتصعيد، فيما تتوسع إسرائيل في طرح شروط جديدة تتجاوز الحديث عن ترتيبات أمنية مؤقتة، لتلامس طبيعة الوجود العسكري، وآليات الرقابة، ومناطق الانتشار، وربما مستقبل الأرض نفسها.

 

 

 

 

وفي هذا الإطار، يأتي تصريح وزير دفاع العدو يسرائيل كاتس عن “مسح أكثر من ٢٤ بلدة جنوبية، بما في ذلك المقابر وعدم عودة أهلها إليها”، ليؤكد النوايا الإسرائيلية الخبيثة، ويمهّد لاحتمال فرض وقائع جديدة في الجنوب، وهو ما جاءت الخريطة المشؤومة لترجمته بصورة رسمية.

 

 

 

وإذا كان لبنان قد تحرك باتجاه واشنطن للضغط على إسرائيل لسحب الخريطة، وقد رضخت إسرائيل لذلك، فإن هذا لا يلغي الأطماع الصهيونية ولا التوجه الفعلي إلى ضم جزء من الجنوب إلى الكيان الغاصب.

 

 

 

من هنا، لا يمكن فصل الخريطة عن المسار التفاوضي. فهي، في بعدها السياسي، تكشف شيئًا من السقف الإسرائيلي الذي تحاول المفاوضات التعامل معه. فإسرائيل لا تدخل إلى الطاولة وهي تبحث فقط عن ضمانات لأمنها، بل تبدو وكأنها تدخل وهي تحمل تصورًا يتصل أيضًا بالأرض وبالوجود وبالنفوذ، وبشكل الترتيبات التي تريد فرضها على الجنوب.

 

 

وإذا كانت الخريطة تعكس فعلًا هذا التوجه، فإن المشكلة لا تعود في الخريطة وحدها، بل في المنهج الذي يحكم المفاوضات برمتها.

 

 

 

هذا الواقع يطرح سلسلة تساؤلات موجهة إلى السلطة اللبنانية: هل ستتعامل مع الخريطة باعتبارها استفزازًا عابرًا، أم ستقرأها باعتبارها إعلانًا سياسيًا يستوجب ردًا سياسيًا ودبلوماسيًا وقانونيًا واضحًا؟ وهل ستعيد تقييم مسار المفاوضات بعدما كشف العدو، من خلال خرائطه وممارساته الميدانية وشروطه التفاوضية، جانبًا من أهدافه؟ وهل ستكتفي بقيام إسرائيل بإزالة هذه الخريطة وكأن شيئًا لم يكن؟

 

 

 

الأخطر أن المسألة لا تتوقف عند حدود الجنوب وحده. فتكريس الاحتلال الإسرائيلي في أي جزء من الأراضي اللبنانية يفتح الباب أمام تداعيات تتصل بالسيادة والقرار الوطني والأمن والثروات، ويضع لبنان أمام واقع جديد قد تحاول إسرائيل، مع مرور الوقت، تحويله من حالة مؤقتة إلى أمر دائم.

 

 

 

 

لذلك، فإن التعامل مع الخريطة باعتبارها مجرد حدث عابر انتهى بإزالتها سيكون خطأً سياسيًا كبيرًا. فالخرائط في الصراعات على الأرض ليست رسومًا محايدة؛ بل إنها أحيانًا أدوات لإنتاج رواية سياسية وقانونية، ومحاولة لتحويل الأمر الواقع إلى حقيقة على الورق.

 

 

 

في هذا السياق، جاء بيان حزب الله ليضع الخريطة في إطار أوسع، معتبرًا أنها “تؤكد أطماع إسرائيل في لبنان وأرضه وثرواته”، ومحذرًا من أن “المفاوضات المباشرة قد تتحول إلى وسيلة لكسب الوقت وفرض وقائع جديدة”.

 

وبصرف النظر عن الموقف من المفاوضات أو من حزب الله، فإن الخريطة الإسرائيلية تفرض على الدولة اللبنانية اختبارًا جديدًا لمدى قدرتها على حماية السيادة بالوسائل السياسية والدبلوماسية والقانونية. فإسرائيل، إذا كانت قد رسمت أجزاء من لبنان على خريطتها، تكون قد كشفت بنفسها جانبًا من أطماعها، والمطلوب من لبنان أن يحوّل هذه الخريطة إلى وثيقة إدانة سياسية وقانونية ضد العدو..