Beirut weather 33 ° C
تاريخ النشر July 31, 2026
A A A
هل تُعيد واشنطن توزيع أدوار الحرب على إيران؟
الكاتب: طارق ترشيشي

كتب طارق ترشيشي في الجمهورية 

 

منذ انتهاء حرب الـ40 يوماً الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، وقبلها حرب الـ12 يوماً الشهيرة، لم يعد السؤال المطروح في الدوائر الإقليمية والدولية السياسية والعسكرية، هو ما إذا كانت المنطقة مقبلة على حرب جديدة، بل كيف ستُدار تلك الحرب، ومَن سيخوضها، ومَن سيدفع أثمانها؟

 

طوال العقود الماضية، درجت الولايات المتحدة الأميركية على اعتماد معادلة واضحة: إسرائيل تتولّى المواجهة العسكرية في الخطوط الأمامية، فيما تؤمّن واشنطن الغطاء السياسي والديبلوماسي والعسكري، وتبقى في الخلف، إلّا إذا اقتضت الضرورة تدخّلاً مباشراً كما حصل في حرب الـ40 يوماً. إلّا أنّ التطورات الأخيرة توحي، في نظر عدد من الديبلوماسيين المتابعين، أنّ هذه المعادلة قد تكون في صدد إعادة صياغة، ليس بسبب تراجع مكانة إسرائيل، وإنما نتيجة إدراك أميركي أنّ النزاع مع إيران، إذا اتسع، يتجاوز حدود المواجهة الثنائية.

 

 

 

من هذا المنطلق، يتحدث هؤلاء الديبلوماسيون عن تصور تبلور في الأوساط المعنية خلال الأيام الأخيرة، ومفاده أنّ الإدارة الأميركية قد تسعى إلى بناء إطار أمني إقليمي أوسع، تكون هي القائد العسكري والسياسي فيه، بينما تضطلع بعض الدول العربية، وخصوصاً في الخليج، بأدوار أمنية أو لوجستية أو دفاعية، أكبر مما كانت عليه الحال في السابق. ويستند هذا التصور، حسب المعلومات نفسها، إلى أنّ واشنطن تعتبر أمن شركائها الخليجيين جزءاً من أمنها الاستراتيجي، وأنّها استثمرت على مدى عقود في بناء قواعد عسكرية، ومنظومات دفاع جوي، وشبكات إنذار مبكر، وعلاقات أمنية وثيقة معهم. ووفق هذا التصور، قد تجادل واشنطن في أنّ التهديدات الإيرانية لا تطاول إسرائيل وحدها، بل تشمل أيضاً أمن الخليج، والممرات البحرية، ومنشآت الطاقة، والتجارة الدولية. وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ المسؤولية عن مواجهة هذه التهديدات ينبغي، وفق هذه الرؤية، أن تصبح مسؤولية جماعية، لا مسؤولية الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وحدهما.

 

 

 

غير أنّ هذا التصور يصطدم بواقع سياسي أكثر تعقيداً. فدول الخليج، على رغم من شراكاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة الأميركية، ليست كتلة سياسية واحدة، ولا تتبنّى جميعها المقاربة نفسها تجاه إيران. وقد سعت دول عدة خلال السنوات الأخيرة إلى الجمع بين تعزيز قدراتها الدفاعية والحفاظ على قنوات للحوار مع طهران، انطلاقاً من اقتناع بأنّ الاستقرار الإقليمي يصعب تحقيقه من خلال المواجهة العسكرية وحدها.

 

 

 

ثم إنّ المشاركة في أي تحالف عسكري، وحسب الديبلوماسيين أنفسهم، لا تعني فقط اتخاذ قرار سياسي، بل تعني أيضاً تحمّل تبعاته. فإيران تمتلك قدرات صاروخية، وشبكات نفوذ إقليمية، وأوراق ضغط متعددة، تجعل أي حرب واسعة قابلة للامتداد إلى ساحات مختلفة، من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان، فضلاً عن الممرات البحرية الحيوية. ومن هنا، فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه ليس: هل تستطيع الإدارة الأميركية تشكيل تحالف جديد؟ بل: هل تستطيع إقناع حلفائها بتحمّل كلفة حرب قد لا يكون من السهل احتواء نتائجها؟

 

 

 

ولا يقلّ أهمية عن ذلك سؤال آخر يتعلق بإسرائيل نفسها. فإذا صحّ أنّ واشنطن تسعى إلى تقليل الظهور الإسرائيلي في صدارة أي حرب مقبلة، فإنّ ذلك قد يكون مرتبطاً باعتبارات سياسية واستراتيجية، منها تجنّب إعطاء النزاع طابعاً ثنائياً مباشراً، أو توسيع قاعدة الشركاء الإقليميين. لكن هذا لا يعني أنّ إسرائيل ستغيب عن أي مواجهة محتملة، بل إنّ دورها سيظل، بحكم تحالفها الوثيق مع واشنطن وموقعها في المعادلة الأمنية الإقليمية، عنصراً أساسياً، وإن اختلف شكله أو مستواه.

 

 

 

وفي المقابل، لا يمكن إغفال أنّ إيران ستنظر إلى أي انخراط إقليمي أوسع في النزاع على أنّه تحول نوعي في طبيعة المواجهة، ما قد يدفعها إلى إعادة تقييم استراتيجيتها الدفاعية والإقليمية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل احتمالات سوء التقدير أكثر حضوراً.

 

 

 

وفي ضوء كل هذه المعطيات، يرى الديبلوماسيون المتابعون، إنّ الشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طرق. فإما أن تتّجه القوى المختلفة إلى إدارة خلافاتها ضمن حدود يمكن احتواؤها، وإما أن تنزلق إلى نزاع إقليمي واسع تتداخل فيه الحسابات المحلية والدولية، وتصبح ساحاته متعددة وحدوده مفتوحة. وقد يكون أخطر ما في المرحلة الراهنة، أنّ الجميع يعلن أنّه لا يريد الحرب، لكن الجميع يستعد لها. وهذه المفارقة هي التي تجعل المنطقة تعيش حال توتر دائم، حيث تتحول الاستعدادات العسكرية جزءاً من السياسة، ويصبح الردع وسيلة لتجنّب الحرب، وفي الوقت نفسه عاملاً قد يقود إليها إذا اختلّت الحسابات.

 

 

 

ولهذا، فإنّ القراءة الهادئة للمشهد الإقليمي والدولي تقتضي الحذر من الجزم بأنّ خيار الحرب قد اتُخذ، أو بأنّ شكل التحالفات المقبلة قد حُسم. لكن من الممكن القول إنّ المنطقة تشهد إعادة نظر في توزيع الأدوار الأمنية، وإنّ أي تحول في هذا الاتجاه ستكون له انعكاسات عميقة على أمن الخليج، وعلى مستقبل النزاع مع إيران، وعلى استقرار المشرق العربي بأسره.