Beirut weather 32 ° C
تاريخ النشر July 28, 2026
A A A
بيان قيادة الجيش اللبناني.. مضبطة اتهام لإسرائيل
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في “سفير الشمال”:

لم يكن بيان قيادة الجيش اللبناني مجرد توصيف ميداني للخروقات الإسرائيلية في الجنوب، بل تحوّل إلى مضبطة اتهام لإسرائيل، حملت في مضمونها رسالة سياسية واضحة مفادها أن العدو لا ينفذ اتفاق الإطار الموقع في واشنطن، بل يتعامل معه بصورة انتقائية، فيأخذ منه ما يخدم مصالحه الأمنية والعسكرية، ويتجاهل ما يترتب عليه من التزامات، وفي مقدمتها وقف الاعتداءات، والانسحاب، وتمكين الجيش اللبناني من الانتشار الكامل، وعودة الأهالي إلى قراهم.

البيان يكشف أن الجيش اللبناني لا يواجه صعوبات داخلية في تنفيذ مهامه، بل يصطدم مباشرة بالممارسات الإسرائيلية التي تشمل القصف، والتدمير المنهجي للمنازل، وتجريف الأراضي، وإحراق البساتين، وتفجير البنى التحتية، وإطلاق النار على نقاط تمركز الجيش، وهي أعمال تتناقض كلياً مع الاتفاق وبنوده، وتؤكد أن إسرائيل لا تزال تتصرف باعتبارها صاحبة القرار الأمني والعسكري في الجنوب.

وتتجاوز هذه الممارسات مجرد الضغط الميداني، لتندرج ضمن استراتيجية إسرائيلية تقوم على الالتفاف على اتفاق الإطار، عبر الإبقاء على واقع أمني يسمح لها بحرية الحركة العسكرية، وهو ما أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوضوح عندما أكد أن “الجيش الإسرائيلي سيبقى في المنطقة الأمنية ولن ينسحب من البلدات والقرى المحتلة”.

هذا الموقف الإسرائيلي يطرح علامات استفهام كبيرة حول جدوى استمرار السلطة اللبنانية في التمسك باتفاق يعلن الطرف الآخر، وعلى أعلى المستويات السياسية، أنه لا ينوي الالتزام به. فكيف يمكن الرهان على تنفيذ الاتفاق والترويج له داخليًا، فيما يؤكد نتنياهو صراحة أن إسرائيل لن تنسحب من الخط الأصفر، ولن توقف اعتداءاتها، وستبقي يدها العسكرية مطلقة في الجنوب؟

ويبدو أن تل أبيب لا تتعامل مع الاتفاق باعتباره نهاية مرحلة، بل تعتبره محطة مؤقتة بانتظار تطورات إقليمية أكبر، وفي مقدمتها القرار الأميركي المرتبط بإمكان استئناف الحرب على إيران الذي سيسعى نتنياهو إلى الدفع نحوه خلال لقائه المرتقب اليوم مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض.

وتدرك إسرائيل أن أي مواجهة جديدة مع طهران ستفتح تلقائياً الجبهة اللبنانية، ولذلك تعمل على تهيئة الأرضية العسكرية والميدانية، عبر تثبيت وقائع جديدة في الجنوب، واستنزاف البيئة الحدودية، ومنع استعادة الحياة الطبيعية في القرى.

وفي هذا السياق، تبدو الاعتداءات اليومية، واستمرار الاحتلال، ورفض الانسحاب، جزءاً من خطة أوسع تهدف إلى توفير ظروف ميدانية تسمح لإسرائيل، عند صدور القرار الأميركي، بالانتقال سريعاً إلى مرحلة عسكرية جديدة، يكون أحد أهدافها التقدم نحو مرتفعات علي الطاهر وإقليم التفاح، لما تمثله هذه المنطقة من أهمية استراتيجية وعسكرية، سواء لجهة الإشراف على مساحات واسعة من الجنوب، أو لجهة تشكيلها نقطة ضغط مباشرة على بيئة المقاومة، ما يُنذر بعودة المواجهات الميدانية من المسافة صفر.

وإذا كان اتفاق الإطار قد رُوِّج له باعتباره مدخلاً إلى تثبيت الاستقرار، فإن الوقائع الميدانية تثبت أنه لم ينجح حتى الآن في وقف العدوان، ولا في فرض الانسحاب الإسرائيلي، ولا في تأمين عودة الأهالي، بل تحول، عملياً، إلى مظلة تستثمرها إسرائيل لكسب الوقت، وإعادة ترتيب أولوياتها العسكرية، فيما يبقى لبنان ملتزماً بتطبيق الاتفاق من جانب واحد.

من هنا، فإن الرسالة التي تضمنها بيان الجيش اللبناني تكتسب أهمية استثنائية، لأنها تدحض عملياً أي ادعاء بأن تأخير تنفيذ الاتفاق سببه الجانب اللبناني، وتؤكد أن العقبة الأساسية تكمن في استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية.

هذا الواقع يضع السلطة اللبنانية أمام تحدٍ سياسي كبير، فهل تستمر في الرهان على اتفاق يعلن نتنياهو أنه لن يلتزم به، أم تعيد تقييم مقاربتها السياسية والدبلوماسية بما يتناسب مع الوقائع التي تفرضها إسرائيل بالحديد والنار؟