Beirut weather 32 ° C
تاريخ النشر July 18, 2026
A A A
إلى نواب الأمة: لا لعفوٍ يطمس الحقيقة… ولا مشروعية لقانونٍ يكرس الإفلات من العقاب
الكاتب: د. عادل مشموشي

كتب د. عادل مشموشي في اللواء 

ليست كل القوانين سواء في آثارها، فبعضها يبني الثقة بالدولة، وبعضها يترك جروحاً عميقةً في وجدان الشعوب. وليس كل عفوٍ دليلاً على التسامح، كما أن كل إسقاطٍ للعقوبة لا يعني بالضرورة من قبيل التسامح وطي صفحة الماضي. فهناك فرقٌ جوهريٌ بين عفوٍ يأتي بعد انكشاف الحقيقة واكتمال مسار العدالة، وعفوٌ يسبق الحقيقة أو يطمسها، بغرض إحلال النسيان محل المساءلة والمحاسبة.

 

من هنا، نرى أن النقاش الدائر في أروقة مجلس النواب حول مشروع قانون للعفو العام هو نقاشٌ معيبٌ ومريب في آن، إذ لا يجوز تمرير قانونٍ مشبوه تحت ذريعة معالجة اكتظاظ السجون أو تسوية أوضاع موقوفين ومحكومين تم الاقتصاص منهم بمحاكماتٍ سياسية، أو مراوغةٍ في الملاحقة، مع تأكيدنا على أهمية معالجة وضرورة معالجة هذه المظلومية بأسرع وقت ممكن، إلا أن المعالجة ينبغي أن تجرى وفقاً للأصول الدستورية ومراعاة حدود العدالة وضوابطها. ذلك أن العفو العام ليس مجرد إجراءً قانوني عابرٍ وفق ما يحاول إظهاره البعض، العفو العام هو استثناءٌ تشريعيٌ يمس جوهر العدالة ويتطاول على حقوق المجنى عليهم وباقي المتضررين، ومشاعر ذوي الضحايا، ومكانة القضاء وسمعته، كما ينطوي على تقويضٍ لثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها.

 

إن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل نقاشٍ حول قانون العفو هو: هل يجوز أن يفتح باب العفو قبل أن تفتح أبواب الحقيقة التي تم تغييبها لعقودٍ من الزمن؟

 

لقد عرف لبنان خلال الثلاثين عامٍ الماضية أحداثاً ووقائع تركت آثاراً عميقةً في ذاكرة المواطنين: اغتيالاتٌ سياسية، وتفجيرات، وجرائم فظيعةٍ طالت شخصياتٍ عامةٍ ومدنيين وعسكريين، وملفات فسادٍ سياسي ومالي وإداري… استنزفت مقدرات الدولة ومدخرات المواطنين، ورواتب الموظفين وتعويضاتهم، وقضايا لا تزال حتى اليوم موضع مطالباتٍ شعبيةٍ وقانونية، تناشد المعنيين بكشف حقيقتها وتحديد المسؤوليات عنها. وفي عددٍ من هذه الملفات، لم تصل العدالة إلى نهايتها بل تم تعطيلها عن عمدٍ وسابق إصرار، ما فوت على الضحايا وذويهم فرصة الحصول على حقهم الطبيعي في معرفة حقيقة ما جرى، ومن المسؤول عن تلك الارتكابات الفظيعة بحق الضحايا والوطن، ولماذا الإصرار على إبقاء تلك الحقائق بعيدةً عن متناول الرأي العام.

 

وفي ظل هذا الواقع المرير، يصبح من المشروع، بل من الواجب، طرح التساؤل التالي: كيف يمكن لدولةٍ لم تنجز بعد مسار كشف الحقيقة في ملفاتٍ وطنيةٍ كبرى أن تسارع إلى تمرير قانون عفو عام؟ وكيف يمكن للنواب أن يسهموا في طي صفحاتٍ جرائم لم تقرأ بالكامل، وإقفال ملفاتٍ لم تقل العدالة كلمتها النهائية بشأنها؟

 

إن العفو العام وفق مفهوم العدالة وكما هو معمولٌ به في الأنظمة الديمقراطية ليس قاعدة، بل استثناء. ومبرراته لا تقوم على الرغبة في تجاوز العدالة، بل على تحقيق مصلحةٍ عامةٍ عليا بعد أن تكون العدالة قد أخذت مجراها. أما عندما يأتي العفو قبل كشف الحقيقة ولتلافي المحاسبة، فإنه يخاطر بالتحول من وسيلةٍ استثنائيةٍ لتحقيق الاستقرار إلى أداةٍ تؤدي، بصورة مباشرةٍ أو غير مباشرة، إلى تمرير إفلات أردى أنواع المجرمين من العقاب.

 

إن النواب الحقيقيون ليسوا من يتجنبون مواجهة الملفات الصعبة أو من يستعملون مطيةً لتمرير مشاريع مشبوهة، بل هم من يملكون شجاعةً كافيةً لقول كلمة الحق. والإصرار على المطالبة بكشف الحقيقة ومحاسبة من تثبت مسؤوليته، أياً كانت صفته أو موقعه. فوقف التعقبات أو إلغاء العقوبة لا يعالج الجريمة بل يشجع عليها، وإقفال الملفات القضائية لا يمحو آثارها، والتسويات السياسية لا تستطيع أن تبلسم جراح المجنى عليهم، ولا تنصف ذويهم بل تحرمهم من الشعور بالعدالة التي حرموا منه.

 

وإن كانت الذريعة بوجود حالاتٍ تستوجب المعالجة، سواء بسبب طول مدة التوقيف الاحتياطي غير المبرر، أو التأخر العمدي في إجراءات المحاكمة، أو بالبناء على ادعاءاتٍ غير جديةٍ أو ملفاتٍ ملفقة، وانتهاكاتٍ فظيعةٍ لضمانات المحاكمةٍ العادلة، وخرقٍ فاضحٍ لحيادية الذين كانوا أعضاءً في هيئة المحاكم التي فصلت في قضايا هامة. فإن العدالة تقتضي معالجة هذه الحالات وفق مقارباتٍ قانونيةٍ صحيحة منها: تسريع إجراءات الملاحقة والمحاكمة، تعزيز، مراجعة الأحكام وفق الأصول القانونية ولو بإعادة المحاكمة (لعلة العيب في حيادية القضاة الذين فصلوا في القضية)، فتح طرق المراجعة القانونية المتاحة، وبخاصة إعادة المحاكمة، ومخاصمة الدولة والقضاة المشكوك بعدم حياديتهم، وإنصاف من يثبت تعرضه للظلم، وبخاصة أولئك الموقوفون الذين نكل بهم داخل السجون. أما جمع هذه الحالات مع الجرائم الخطيرة ضمن عفوٍ انتقائي يتم تصويره على أنه شامل، فإنه ينطوي على خلطٍ خطيراً بين الإنصاف والغبن وبين إسقاط المسؤولية عن أفعالٍ تهدد المجتمع والدولة.

 

ينبغي إلا يبنى العفو العام على مساواةٍ بين حالاتٍ مختلفةٍ متناقضة، ولا يجوز الخلط بين من يطالب بمحاكمةٍ عادلةٍ ومرتكبي جرائم شنيعة، تمس الحق في الحياة وأمن المجتمع والكرامة الإنسانية.

 

ومن هذا المنطلق، إن أي قانون عفو مشروع ينبغي أن يستبعد منه وبصورةٍ واضحةٍ وقاطعةٍ الجرائم التي لا يجوز أن تكون محلًا للمساومة السياسية أو التشريعية، وفي مقدمتها جرائم القتل العمد، والاغتيالات، والتعذيب، والإخفاء القسري، والجرائم الإرهابية، والجرائم المنظمة، والاتجار غير المشروع بالمخدرات، وجرائم الفساد الكبرى، وجرائم الاعتداء على المال العام، وغسل الأموال، وكل الجرائم التي تنطوي على مساسٍ بأمن الدولة أو تهديدٍ للسلم الأهلي.

 

كما ينبغي ألا يطال قانون العفو الجرائم التي لا تزال موضع تحقيقٍ أو جدلٍ وطني، كانفجار المرفأ واغتيال السياسيين والصحفيين ورجال الفكر، لأن العدالة لا يمكن أن تبنى على المجهول، ولا يمكن أن يطلب من ذوي الضحايا وعموم أفراد المجتمع الغفران والنسيان قبل أن يعرفوا حقيقة ما حصل.

 

إن أخطر ما في قانون العفو، لا يقتصر على ضياع حقوق الضحايا، بل انهيار الثقة بفكرة الدولة نفسها جراء تمكين أخطر المجرمين من الإفلات من العقاب. فعندما يشعر المواطن بأن بعض الجرائم يمكن أن تمحى بإجراءٍ تشريعي مسيس، وأن الزمن أو النفوذ أو الظروف السياسية قد تكون أقوى من العدالة، فإن ذلك يضرب الأسس الأخلاقية في المجتمع، ويشجع على الإجرام.

 

العدالة لا تقتصر على معاقبة المجرمين، بل تشمل الاعتراف بحقوق الضحايا. وإن كانت العدالة لا تبتغي الانتقام، إنما تستوجب كشف الحقيقة والإنصاف، وجبر الضرر، والاعتراف بالذنب على أقل تقدير. وأي تشريعٍ يحرم الضحايا هذه الحقوق أو يحول دون وصولهم إلى العدالة، فهو جريمةٌ أخلاقيةٌ لأنه يضيف ظلماً المظالم التي تعرض الكثير من اللبنانيين لها.

 

إن الموقف الصحيح الذي ينبغي على النواب تبنيه قبل التسرع في إقرار قانون العفو، يتمثل في المطالبة بتشكيل لجنةٍ وطنيةٍ حياديةٍ لتقصي الحقائق، تضم شخصياتٍ قضائيةٍ وقانونيةٍ وخبراتٍ أمنيةٍ واجتماعية، تتولى دراسة الملفات التي ما زالت بحاجةٍ إلى كشف الحقيقة، وجمع المعلومات عن الانتهاكات الماسة بحقوق الانسان، والمحاكمات المسيسة، وإطلاع الرأي العام إلى ما تخلص إليه من نتائج، ذلك أن الحقيقة ليست عائقاً أمام العفو، بل هي شرطٌ أساسيٌ لتحقيق أغراضه.

 

أما مسؤولية أعضاء مجلس النواب في هذا الوقت بالذات، تتجاوز الحسابات السياسية الفئوية. فالنائب لا يشرع باسم فئة أو مذهب، بل باسم الشعب اللبناني ووفق روحية الدستور. وعليه أن يسأل نفسه قبل خلال مناقشة القانون ما إذا كان يسهم في تعزيز العدالة أم في إضعافها؟ وما إذا كان يحمي حق الضحايا أم يقوضه؟ وما إذا كان إقراره يعزز مفهوم دولة القانون أم يكرس ثقافة الإفلات من العقاب؟

 

إن مسموعية النواب ومجلسهم، لا تقاس بأعداد القوانين التي تم تمريرها، بل بمدى مساهمتها في بناء دولةٍ تحترم العدالة، دولةٌ لا يكون إقرار القوانين فيها خاضعاً لتسويات مشبوهة.

 

اللبنانيون ليسوا بحاجةٍ إلى قانونٍ يطوي الحقيقة، بل إلى قانونٍ يصون العدالة ويحميها. ليسوا بحاجة يفرض النسيان قسريًا بل يرمم الثقة بالقضاء وأجهزة إنفاذ القانون. لذلك نرى أن المسؤولية الوطنية توجب على النواب رفض أي قانون عفو لا يضمن كشف الحقيقة، ولا يحمي حقوق الضحايا، ولا يستثني الجرائم الجسيمة، ولا يطوي صفحات الإجرام ويقوض مفهوم العدالة.

 

أيها النواب، الأوطان لا تبنى بنكْء الجراح، بل بمواجهتها ومعالجته، فليكن موقوفكم لا لعفوٍ يطمس الحقيقة… ولا مشروعية لقانونٍ يكرس الإفلات من العقاب.