Beirut weather 32 ° C
تاريخ النشر July 18, 2026
A A A
قائد جيش أم قيادة أركان: بين المتغيّرات الإقليمية وموازين القوى الداخلية
الكاتب: العميد الركن المتقاعد زياد الهاشم

 

كتب العميد الركن المتقاعد زياد الهاشم نائب رئيس الأركان للتخطيط سابقاً في “الجمهورية” 
إنْ لم تستطع تطويع المنصب فاعمَل على إلغاء المنصب. أورد إحدهم في إحدى المقابلات، اقتراحاً بإلغاء وظيفة «قائد الجيش» واستبدالها بـ «قيادة أركان»، ودعا إلى مناقشة الاقتراح. كذلك دعا آخر إلى إلغاء «قيادة الجيش» وتحويلها إلى «قيادة أركان». لا يجوز المرور على هذَين الاقتراحَين من دون إبداء الرأي حولهما، كونهما صدرا في فترة دقيقة، فرضت عليّ الملاحظات الآتية:
– حساسة من تاريخ المنطقة، حيث تدور حرب أميركية-إيرانية تُعيد تكوين موازين القوى الإقليمية، ومن تاريخ لبنان حيث الجبهة الجنوبية مشتعلة بقرار من «حزب الله»، عندما شنّ هجوماً تكتيكياً على إسرائيل – لن يُغيّر مجرى الحرب – دعماً لحركة «حماس»، محتكراً قرار الحرب، ومن ثم شنّ حرب ثأر للمرشد الخامنئي من دون أستشارة أي لبناني.
– تصلح لاستثمار المواجهة مع إسرائيل في تحصيل أوراق قوّة داخلية، كما حصل بعد حرب تموز 2006، مع أنّ ظروفها تختلف عن ظروف الحرب الحالية، خصوصاً لناحية ميزان القوى المائل لصالح إسرائيل.
– يُحضَّر فيها لتنفيذ مندرجات «صيغة الإطار» والملحق الأمني المرفق به، بعد أن آلت السلطة السياسية الرسمية والشرعية على نفسها استعادة القرار السيادي وإحياء عمل ودور المؤسسات الدستورية وعلى رأسها الجيش.
تنبع أهمّية مركز قائد الجيش حالياً من كونه:
– يقود أكبر مؤسسة في لبنان يناهز عديدها 85,000 ألفاً بين ضابط ورتيب وفرد وموظفين مدنيّين، وهي المؤسسة الوحيدة التي لا تزال تقوم بمهامها بكفاءة مميّزة.
– يتمتّع بصلاحيات واسعة، على رغم من التعديلات على قوانين الدفاع، والتي أُقرَّت نتيجة اختلال موازين القوى الداخلية.
– يحظى بإجماع حول دوره في حفظ المؤسسة واستمرار دورها في الدفاع عن لبنان، وحفظ أمنه الداخلي، وحائزاً ثقة أغلبية اللبنانيّين. عمِلَ ضمن حدود صلاحيات المركز على إبعاد تدخّلات السياسيّين عن الجيش ولم يُلبِّ أغلب طلباتهم السياسية والخدماتية.
– يُنظَر إليه كمرشح للرئاسة، خصوصاً أنّه سبق وانتُخِب خمسة قادة جيش رؤساء للجمهورية.
تعاطت السلطة السياسية، منذ الاستقلال وحتى الحرب الأهلية، مع قائد الجيش كـ«سلطة عسكرية عليا» ذات صلاحيات مطلقة، وذلك بموجب المرسوم رقم 5097 تاريخ 5 حزيران سنة 1951 «تنظيم وزارة الدفاع الوطني وقيادة الجيش»، والمرسوم الاشتراعي رقم 66 تاريخ 10 نيسان سنة 1953 «تنظيم وزارة الدفاع الوطني وتحديد قانون الجيش»، والمرسوم الاشتراعي رقم 33 تاريخ 19 كانون الثاني 1955 «تنظيم وزارة الدفاع الوطني وتحديد قانون الجيش»، والمرسوم الاشتراعي رقم 10 تاريخ 7/7/1967 «تنظيم وزارة الدفاع الوطني وتحديد قانون الجيش».
كان من نتائج الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975 أن اختلّت التوازنات الداخلية، وتُرجِم ذلك بصدور القانون رقم 3/79 «الدفاع الوطني» الذي تضمّن تعديلات بُنيوية على «الدفاع الوطني»، أهمّها تحديد الدفاع الوطني، تقرير السياسة العامة للدفاع وتعيين أهدافها من قِبل مجلس الوزراء، إنشاء مجلس أعلى للدفاع يشترك قائد الجيش في اجتماعاته بصفة استشارية، ومجلس عسكري تتمثل به الطوائف الكبرى، أخذ قسماً من مهام قائد الجيش وألغِيت صفة السلطة العسكرية العليا لقائد الجيش، بالإضافة إلى إنشاء المؤسسات الرئيسية، أي الأمانة العامة للمجلس الأعلى للدفاع والمديرية العامة للإدارة والمفتشية العامة، اللتَين أخذتا بعضاً من صلاحيات قائد الجيش، بالإضافة إلى قيادة الجيش التي أصبحت تتألف من: قائد الجيش، الأركان والتي تتألف من: رئيس الأركان، وهي وظيفة جديدة لم تكن موجودة في مراسيم التنظيم القديم سوى في وزارة الدفاع وليس الجيش، نواب رئيس الأركان، مديريات وشُعَب ومصالح وأجهزة مختصة.
تُعتبر «وحدة القيادة» (Unity of Command) من أهم مبادئ الحرب، إذ تكون كل القوى تحت قيادة قائد واحد مسؤول، يتمتع بالسلطة اللازمة لتوجيه هذه القوى سعياً لتحقيق هدف موحَّد.
أخضعت قوانين الدفاع الوطني وحدات الجيش كافة لقائد الجيش وجعلته «يتولّى قيادة – العمليات العسكرية والأمنية، ويتحمّل وحده مسؤولية تنفيذها بالطرق والوسائل التي يقرّرها»، وهذا يُعتبَر سبباً رئيسياً لنجاح المؤسسة العسكرية.
عند التفكير بإنشاء مؤسسة أو وكالة (هيئة أو قيادة) للأركان المشتركة، فأول ما نبتغيه أن تقدِّم هذه المؤسسة نصيحة أو مَشوَرة مشتركة حقيقية، مستندة إلى فن الحرب والعلم العسكري، إلى القائد الأعلى للقوى المسلحة رئيس الجمهورية، مجلس الوزراء والمجلس الأعلى للدفاع، بالإضافة إلى تخطيط وتنفيذ عمليات مشتركة بصورة جيدة، بمعنى آخر، أن تتمتع بالكفاءة والفعالية (efficiency & effectiveness).
إنّ التعديلات التي تناولتها الاقتراحات، أتت بفعل المتغيّرات الإقليمية وفقدان التوازنات الداخلية، غاضاً النظر عن المصالح الوطنية، وبالتأكيد لم تأتِ بهدف تحسين الأداء المؤسساتي.
إنّ تلبية رغبات ومصالح بعض الجهات تقود إلى هيكلة غير منطقية للمؤسسة العسكرية، وتجعل آلية أخذ القرار في «قيادة الأركان» أفقية، جماعية ومرنة، بمعنى أنّها تقبل المساومة وتعطي حق الفيتو لأي من الأعضاء، فتصبح هذه القيادة غير فعّالة وغير كفؤة.
إنّ الانتقال إلى قيادة جماعية في الجيش، كما وردت في الاقتراحَين، يحمل في ذاته أسباب الفشل، ولدينا في لبنان الكثير من الأمثلة على القيادة الجماعية الفاشلة (هيئات ومجالس إدارة) في أكثر من مؤسسة، ولا يجوز تطبيقها في مؤسسة عسكرية تعنى بالدفاع الوطني وتتعامل بالأرواح – حياةً أو موتاً.
تركت السلطة السياسية الجيش من دون موازنات كافية ومن دون برامج تسليح، وجعلت من رواتب عناصره الأدنى بين موظفي القطاع العام، ومنعت عنه تطويع دم جديد منذ العام 2018، لجعله مؤسسة هرمة وتصفية دوره في الدفاع الوطني لغايات مشبوهة، فتدخّلت دول مانحة للمساعدة عبر برامج مساعدات عسكرية واجتماعية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، إيمانا منها بدور هذا الجيش، ممّا يطرح احتمال توقف هذه البرامج، بالتالي شلّ قدرة الجيش على القيام بمهامه إذا ما أصبح «حزب الله» ممثلاً في «قيادة الأركان» المقترحة.
إنّ الخلاف السياسي الداخلي حول دور لبنان في المنطقة والسياسة الخارجية وحول قرار الحرب والسلم ودور سلاح «حزب الله»، سينتقل تلقائياً إلى داخل قيادة الأركان المقترحة ويشلّ عملها. ممثل الحزب في قيادة الأركان سيمثّل مصالح إقليمية خارجية تمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الهندي، على حساب المصالح الوطنية اللبنانية.
قبل طرح التعديلات التي دفعتني إلى هذا المقال، كان من الأجدى الإعتراف بأنّ الأخطار والتهديدات والتحدّيات التي تواجه لبنان لا تأتي فقط من إسرائيل، بل من ربط لبنان بالملف النووي الإيراني الذي لم يتمّ إيجاد حل له منذ العام 2003، ومن ربط لبنان بالبرنامج الإيراني الصاروخي البالستي، وبالطبع عبر ربط لبنان بورقة الضغط الاقتصادية المتمثلة في مضيق هرمز إغلاقاً أو فتحاً.
يأتي هذا الاقتراح ضمن سياق طويل من محاولات ضرب المؤسسة العسكرية والتضييق عليها لصالح الميليشيات، وفي ظل الحروب المشتعلة في المنطقة ووسط اختلال ميزان القوى الداخلي ومصادرة قرار الحرب والسلم، ممّا يدفع إلى التساؤل عن الهدف الفعلي من توجيه هذه الرسائل، وهل ستليها اقتراحات لمؤسسات أخرى، بهدف تغيير هوية لبنان؟