Beirut weather 25 ° C
تاريخ النشر July 3, 2026
A A A
بين اتفاق 17 أيار واتفاق الإطار.. التاريخ يعيد نفسه ولا من يتعلّم!..
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في سفير الشمال 

قبل يوم واحد من توقيع اتفاق 17 أيار عام 1983، وبعد الانتهاء من صوغ جميع البنود والموافقة عليها، أبلغ رئيس الوفد الأميركي في المفاوضات، موريس درايبر، الرئيس أمين الجميل بوجود ملحق إسرائيلي إضافي يتضمن ثلاثة شروط.

 

 

 

الأول، الحصول على معلومات عن الجنود الإسرائيليين المفقودين في لبنان، واستعادة الأسرى الموجودين لدى سوريا والفصائل الفلسطينية، واستعادة رفات الجنود الذين قُتلوا منذ الرابع من حزيران 1982.

والثاني، انسحاب جميع العناصر الفلسطينية المسلحة من لبنان، وكذلك انسحاب القوات السورية بصورة متزامنة مع الانسحاب الإسرائيلي.

 

 

 

أما الثالث، فينص على أنه إذا لم تتم إعادة الجنود الأسرى ولم تتحقق الانسحابات، فإن إسرائيل لن تنسحب، وستحتفظ بحقها في تعليق تنفيذ البنود الواردة في الاتفاق.

 

 

 

وقد طلب درايبر من الرئيس الجميل الموافقة على هذه الشروط، مع تأكيده وجود ضمانة أميركية لتنفيذ بنود الاتفاق، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي.

 

 

 

لكن بعد سقوط الاتفاق، نفذت إسرائيل عام 1985 إعادة انتشار باتجاه الجنوب، واستمرت في احتلالها حتى نجحت المقاومة في دحرها وإجبارها على الانسحاب عام 2000.

 

 

 

 

اليوم، يعيد التاريخ نفسه مع اتفاق الإطار، الذي يرى كثيرون أنه يصب أساساً في مصلحة إسرائيل وحكومة اليمين المتطرف.

 

ويتضمن الاتفاق وفق المعطيات، ملحقاً سرياً، فضلاً عن التأكيدات الإسرائيلية، وعلى لسان رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، بعدم الانسحاب، والإصرار على حرية الحركة في تنفيذ الاعتداءات، ومنع الأهالي من العودة إلى قراهم إلى حين نزع سلاح المقاومة.

 

ويضاف إلى ذلك محاولة العدو إخضاع أداء الدولة والجيش لما يُسمّى «تجربة عمل الدولة والجيش»، قبل تقييمها إسرائيلياً ضمن ما يسمى «المناطق التجريبية»، بما يشكل انتهاكًا صارخًا للسيادة الوطنية والإساءة إلى السلطة اللبنانية، في ظل ضمانة أميركية سبق أن جرى اختبارها في اتفاق 27 تشرين الثاني 2024.

 

 

 

لا يحتاج الأمر إلى كثير من التفسيرات، فالمعطيات واضحة، والنوايا الإسرائيلية السيئة والأساليب الملتوية ظاهرة للعيان. وليس من الضروري أن تكلف السلطة اللبنانية نفسها عناء إعطاء اللبنانيين دروساً في اللغة العربية ومصطلحاتها لإقناعهم ببنود الاتفاق، ولا سيما ما يتعلق بمصطلحات مثل «إعادة الانتشار» و«وقف الملاحقات القضائية» وغيرها. فالنص قُتل قراءةً ودراسةً وتمحيصاً، وهو ما أدى إلى اتساع رقعة المعارضة له على المستويين السياسي والشعبي.

 

 

 

وفي الوقت الذي ما تزال فيه إسرائيل تحتفل بما تعتبره إنجازاً، وتحاول استثماره داخلياً لتحسين صورة نتنياهو بوصفه صانع انتصار في لبنان، ينبري مسؤولون لبنانيون للدفاع عن الاتفاق وتسويقه باعتباره الطريق الوحيد لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي.

 

 

 

 

غير أن هذا التسويق، الذي يفتقر أساساً إلى الإقناع، تدحضه تصريحات نتنياهو ووزرائه، والتي تؤكد أن إسرائيل ستبقى محتلة للجنوب بموافقة السلطة اللبنانية، وستواصل اعتداءاتها استناداً إلى بنود الاتفاق، في محاولة لإضفاء شرعية لبنانية على ممارساتها الاحتلالية والعدوانية والتدميرية، فضلاً عن توظيفه مستقبلاً في خدمة تطلعاتها نحو سلام مع لبنان ينسجم مع توجهاتها.

 

 

 

وإذا كان اتفاق 17 أيار قد أُسقط بقوة الشارع، في ظل حرب أهلية كانت تلقي بظلالها المأساوية على البلاد والعباد، فإن الظروف اليوم تبدلت، وسط حرص غالبية اللبنانيين على درء مخاطر الفتنة التي تسعى إليها إسرائيل، بما يتيح لها التسلل إلى المعادلة السياسية والعسكرية الداخلية. لذلك، حرص الرئيس نبيه بري على التأكيد أن إسقاط هذا الاتفاق، الذي وُلد ميتاً، سيكون بالوسائل السياسية والقانونية، وليس عبر الشارع.

 

 

 

 

وقد بدأت التحركات السياسية على أكثر من صعيد، في ظل اتساع رقعة الاعتراض على اتفاق الإطار من قبل أطراف وتيارات لبنانية، بعضها يعارض المقاومة، لكنه في الوقت نفسه لا يقبل بتشريع الاحتلال الإسرائيلي أو إضفاء شرعية على العدوان الصهيوني.

 

 

 

وقد تفضي هذه التحركات، إذا اكتسبت طابعاً وطنياً جامعاً، سياسياً وطائفياً ومناطقياً، إلى تعديل الاتفاق أو إلغائه.

 

وربما يعود الميدان، الذي اشتعل مجددًا أمس برد المقاومة على العدوان، إلى فرض معادلة جديدة، بالتوازي مع المفاوضات المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تشدد على ضرورة تنفيذ البند الأول من مذكرة التفاهم، والمتعلق بوقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي من لبنان من دون قيد أو شرط.