Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر July 1, 2026
A A A
تحذير بري رسالة إنقاذ للبنان قبل فوات الأوان.. ودعوة لتغليب العقل على الانفعال

كتب حسين زلغوط

لا تُقاس عادة في المراحل المفصلية من تاريخ الدول، قيمة المواقف بعدد كلماتها، بل بقدرتها على استشراف المخاطر وقراءة ما يختبئ خلف المشهد السياسي. من هذا المنطلق، جاء موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي قال فيه: «يا أهلي في لبنان… كل لبنان… إنها الفتنة»، لتتجاوز حدود التصريح السياسي، وتتحوّل إلى رسالة وطنية تحمل إنذاراً مبكراً من خطر يتهدّد البلاد في لحظة تتقاطع فيها الأزمات الداخلية مع التحوّلات الإقليمية والدولية.

فلبنان يقف اليوم أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتسع هوة الخلاف حول ملفات مصيرية، الأمر الذي يجعل أي احتقان إضافي قابلاً للتحوّل إلى أزمة وطنية يصعب احتواؤها. ومن هنا، لم يكن التحذير الذي أطلقه رئيس المجلس موجّهاً إلى فريق سياسي بعينه، بل إلى اللبنانيين جميعاً، انطلاقاً من حقيقة ثابتة مفادها أن الفتنة، إذا اشتعلت، لن تفرّق بين طائفة وأخرى، ولا بين منطقة وأخرى، بل ستطال الجميع دون استثناء.
لا شك أن استخدام عبارة «إنها الفتنة» لم يكن توصيفاً سياسياً عابراً، بل حمل دلالة تتجاوز الخلافات اليومية إلى مستوى التحذير من انهيار التوازنات الوطنية. فالفتنة ليست مجرد اختلاف في الرأي أو تنافس بين القوى السياسية، وإنما لحظة يفقد فيها المجتمع قدرته على إدارة خلافاته ضمن الأطر الدستورية، ليتحوّل الانقسام إلى صدام يهدّد السلم الأهلي ووحدة الدولة.
ويأتي هذا التحذير في مناخ داخلي يتسم بارتفاع منسوب الاحتقان، في ظل تداخل الحسابات المحلية مع التطورات الإقليمية والدولية، وتباين المقاربات تجاه ملفات سياسية وأمنية دقيقة، ما يفتح الباب أمام محاولات استثمار الانقسامات الداخلية وتعميقها.
من هنا، تبدو رسالة الرئيس بري أقرب إلى محاولة استباقية لمنع انتقال الصراع من المؤسسات إلى الشارع، وهي معادلة أثبتت التجربة اللبنانية مراراً أنها الأخطر، إذ تبدأ الأزمات بخطابات متشنجة، لكنها كثيراً ما تنتهي بانقسامات يصعب رأبها.
فالحكمة التي استعان بها الرئيس بري في تحذيره لا تدعو إلى السلبية أو الانكفاء، وإنما إلى الامتناع عن التحول إلى أداة في صراعات الآخرين أو وقود لمشاريع الانقسام. فـ«ابن اللبون» لا يصلح للركوب ولا للحلب، بما يرمز إلى ضرورة عدم الانخراط في نزاعات تُستثمر فيها العصبيات والانفعالات لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة.

وفي الحالة اللبنانية، تبدو هذه الدعوة أكثر إلحاحاً، لأن تاريخ لبنان يؤكد أن معظم الأزمات الكبرى بدأت بخلافات سياسية، قبل أن تتحوّل إلى اصطفافات شعبية ومواجهات دفعت الدولة والمجتمع أثماناً باهظة للخروج منها.
وفي رأي مصادر سياسية أن من أبرز الرسائل التي يختزنها موقف رئيس المجلس هي ضرورة التمييز بين حق الاعتراض السياسي وبين الانزلاق إلى الفوضى. فالاختلاف في الرأي هو ركيزة من ركائز الحياة الديمقراطية، غير أن تحويله إلى تعبئة شعبية أو خطاب تحريضي ينقل الخلاف من المؤسسات إلى الشارع، يضع البلاد أمام مخاطر تتجاوز الحسابات السياسية التقليدية.
فالديمقراطية في اعتقاد المصادر لا تقوم على إلغاء التعددية، بل على إدارة الاختلاف ضمن المؤسسات واحترام قواعد الدولة. ومن هنا، فإن الدعوة إلى ضبط الخطاب السياسي لا تعني الحد من حرية التعبير، بل تهدف إلى منع استغلال الاحتقان الشعبي في إشعال مواجهات لا تخدم أحداً، ولا تنتج سوى مزيد من الانقسام.
ومن المؤكد انه لا تقع مسؤولية حماية الاستقرار على القوى السياسية وحدها، بل تمتد إلى مؤسسات الدولة الأمنية والقضائية والإدارية، باعتبارها الضامن الأول لتطبيق القانون وصون السلم الأهلي ومنع أي محاولة لإثارة الفوضى أو التحريض أو الإخلال بالأمن.
وتؤكد المصادر أن لبنان اليوم يعيش مرحلة بالغة الدقة، تتطلب قدراً استثنائياً من الحكمة وضبط النفس، فالأزمة الاقتصادية الخانقة، والاستحقاقات السياسية المتتالية، والمتغيّرات الإقليمية المتسارعة، وتداعيات الحرب التي لم تتوقف بعد رغم ما حكي عن وقف لاطلاق النار تجعل البلاد أكثر هشاشة أمام أي اهتزاز داخلي، وأكثر حاجة إلى الحفاظ على الحد الأدنى من التوافق الوطني.
وقد أثبتت التجارب السابقة أن اللبنانيين جميعاً يدفعون ثمن الانقسام عندما يتجاوز حدود السياسة إلى الشارع، وأن إعادة ترميم الثقة الوطنية تحتاج إلى سنوات طويلة، بينما قد تكفي لحظات من التوتر أو خطاب متشنج لإعادة إنتاج مشاهد الانقسام التي عرفها لبنان في محطات مؤلمة من تاريخه.
وتقرأ المصادر عينها موقف رئيس مجلس النواب بوصفه دعوة إلى رسم خط أحمر يمنع الانزلاق نحو المجهول، وإلى تغليب العقل على الانفعال، والحوار على المواجهة، والمؤسسات على منطق الشارع، فالتحذير من الفتنة ليس توصيفاً لواقع سياسي فحسب، بل هو دعوة إلى حماية ما تبقّى من عناصر الاستقرار في بلد أنهكته الأزمات المتلاحقة.
انطلاقا مما تقدّم فان الرسالة الأهم للرئيس بري تبقى أن لبنان لم يعد يحتمل مغامرات داخلية جديدة، ولا صراعات تفتح أبواب الانقسام في لحظة تتطلب أعلى درجات المسؤولية الوطنية. وبين تعدد المواقف وتباين الرؤى، يبقى السلم الأهلي القاسم المشترك الذي ينبغي أن يعلو فوق كل الحسابات، لأن الفتنة، متى اندلعت، لا تترك منتصراً، بل تجعل الجميع شركاء في الخسارة.