Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر July 1, 2026
A A A
افتتاحية “الجمهورية”: اختبار التنفيذ يسبق أي تسوية سياسية… لبنان يتمسّك بخريطة طريق الاتفاق
الكاتب: الجمهورية

 

على رغم من مرور 4 أيام على توقيع الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، لم تنطلق بعد الإجراءات التنفيذية الميدانية، في وقت تؤكّد الدولة اللبنانية التزامها الكامل بمندرجات الاتفاق وآليات تطبيقه بالتنسيق مع الجهات الدولية المعنية. فيما تواصل إسرائيل ممارسة الضغوط السياسية باتجاه طرح اتفاق سلام مع لبنان، وهو ما أوحت به تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال جولته أمس في المنطقة الجنوبية المحتلة، في حين يتمسّك لبنان الرسمي بأولوية تنفيذ الالتزامات الواردة في الاتفاق، وفي مقدّمها الانسحاب الإسرائيلي الكامل واحترام السيادة اللبنانية.

يشير ديبلوماسي مطلع على المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية لـ«الجمهورية»، إلى أنّ «قيمة التفاهمات القائمة ليست في الأوراق التي وُقّعت، بل في ما يمكن أن تنتجه على الأرض. فالمعيار الحقيقي هو: هل يستطيع لبنان أن يفرض سلطة دولته على كامل أراضيه، وأن يستعيد ما تبقّى من أراضٍ محتلة عبر المؤسسات الشرعية؟ هناك مَن يختصر النقاش بالسؤال عمّا إذا كان هذا المسار يمثل تنازلاً أم انتصاراً، بينما السؤال الصحيح هو: هل يخدم المصلحة اللبنانية؟ فإذا كانت النتيجة النهائية هي انسحاباً إسرائيلياً كاملاً، انتشار الجيش اللبناني، واستعادة الدولة قرارها، فإنّ هذا المسار يحقق الهدف الذي طالما أجمع عليه اللبنانيّون، وهو إنهاء الاحتلال وتثبيت السيادة».

ويرى الديبلوماسي، أنّ الاعتراضات التي تبديها حركة «أمل» و«حزب الله» يجب ألّا تُقرأ باعتبارها نهاية الطريق، بل بوصفها جزءاً من النقاش الداخلي الذي يرافق أي تحوُّل استراتيجي: «في كل التجارب الدولية، من البلقان إلى أيرلندا الشمالية، سبقت الاعتراضاتُ التسوياتِ الكبرى. لا أحد يطلب من أي فريق أن يتخلّى عن هواجسه، لكنّ الجميع مطالَب بالنظر إلى النتيجة النهائية لا إلى الحسابات المرحلية. فالبديل عن نجاح الدولة ليس انتصار «حزب الله»، بل استمرار الاحتلال واستمرار الحرب المفتوحة».

ويتابع: «مَن يعتقد أنّ تعطيل التنفيذ سيُضعِف الضغوط الدولية على إسرائيل يُخطئ في قراءة الوقائع. عملياً، أي إخفاق في تنفيذ الالتزامات سيمنح إسرائيل حجة إضافية للإبقاء على قواتها داخل الجنوب تحت عنوان غياب الضمانات الأمنية. لذلك، فإنّ المتضرّر الأول من تعطيل المسار سيكون لبنان نفسه، وليس أي طرف آخر».

وعن زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون المرتقبة إلى واشنطن، يعتبر الديبلوماسي أنّها «ليست زيارة بروتوكولية، بل محطة تأسيسية. فواشنطن تريد أن ترى دولة لبنانية قادرة على تنفيذ تعهُّداتها، فيما يحتاج لبنان إلى تثبيت الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي، لتمكين الجيش من استكمال انتشاره، وإطلاق المرحلة التالية التي تفضي إلى انسحاب إسرائيلي كامل. وإذا نجحت الزيارة في تكريس هذه المعادلة، فإنّها ستكون من أهم الزيارات الرئاسية اللبنانية منذ سنوات».

أمّا إقليمياً، فيلفت إلى أنّ لبنان لا يزال يتقاطع مع مسار التفاوض الأميركي – الإيراني، لكنّه يميِّز بين أن يتأثر بهذه المفاوضات وبين أن يتحوَّل إلى ورقة تفاوض فيها: «من حق إيران أن تدافع عن مصالحها في مفاوضاتها مع واشنطن، لكن ليس من مصلحة لبنان أن يبقى جزءاً من صندوق البريد الإقليمي. وكلّما بقي تنفيذ الترتيبات معلقاً، بقيت طهران تمتلك ورقة ضغط إضافية عبر حليفها اللبناني. أمّا إذا نجحت الدولة في فرض مسارها، فإنّ لبنان يخرج تدريجياً من دائرة المقايضة الإقليمية ويصبح صاحب قراره. المعادلة الجديدة التي يسعى الرئيس عون إلى تكريسها تقوم على أنّ لبنان يرحِّب بأي تفاهم دولي أو إقليمي يخفِّف التوتر، لكنّه يرفض أن تُربط سيادته بمفاوضات الآخرين، وهو ما عبّر عنه مراراً».

الموقف الأميركي

في موازاة ذلك، ترى مصادر سياسية، أنّ المرحلة المقبلة تضع الولايات المتحدة أمام مسؤولية أساسية في مواكبة تنفيذ الاتفاق الإطاري، باعتبارها الجهة الراعية للترتيبات التنفيذية، ولا سيما مع إعلانها نشر قوات أميركية في لبنان وإسرائيل، للمساهمة في مراقبة التنفيذ ومعالجة أي خروقات قد تطرأ. وفي هذا السياق، تؤكّد واشنطن أنّ الاتفاق يرسم مساراً يعزّز سلطة الدولة اللبنانية ويكرّس سيادتها على كامل أراضيها، فيما تستمر المشاورات لتأمين استكمال الانسحاب الإسرائيلي وفق الآليات والجدول الزمني المنصوص عليهما.

وبالتوازي، بدأ العمل على الخطوات التنفيذية الأولى، وفي مقدّمها الترتيبات الأمنية التي ستُنفّذ بالتنسيق مع الجيش الأميركي، على أن تنطلق من المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي. وفي هذا الإطار، اكتسبت زيارة قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر إلى بيروت أهمّية خاصة، إذ تناولت لقاءاته مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وقائد الجيش العماد رودولف هيكل آليات تطبيق الاتفاق.

وتؤكّد المصادر، أنّ نجاح هذه المرحلة يتطلّب استمرار التنسيق بين الدولة اللبنانية والولايات المتحدة والجهات المعنية، بما يضمن استكمال الانسحاب الإسرائيلي، وتعزيز حضور مؤسسات الدولة، وتوفير آليات تنفيذ تحافظ على الاستقرار الداخلي وتدعم التطبيق الكامل لبنود الاتفاق.

مجلس الوزراء

في غضون ذلك، ينعقد مجلس الوزراء في جلسة بعد ظهر غد في السراي الحكومي، ويخلو جدول الأعمال الموزَّع من موضوع الاتفاق الإطاري. وينتظر «الثنائي الشيعي»، بحسب مصادر مطلعة لـ«الجمهورية»، «ما إذا كان الاتفاق سيُطرَح في الجلسة من خارج جدول الأعمال». لكنّها استبعدت إدراجه في غياب رئيس الجمهورية.

وأكّدت المصادر أنّ «الاتفاق لم يُناقَش، وحتى ولو طُرح فإنّ وزراء «الثنائي» غير معنيّين بمسار التفاوض المباشر، ولذلك لم يعلّقوا عليه لأنّهم غير موافقين أصلاً على المفاوضات المباشرة».

عون وهيكل

وكان الرئيس عون التقى العماد هيكل أمس، وعرض معه الأوضاع الأمنية في البلاد والمهمات المرتقبة للجيش في المرحلة المقبلة في ضوء نتائج المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، وما نتج منها من «اتفاق إطاري» لإنهاء الحرب على لبنان.

وثمَّن عون الدور الذي يقوم به الجيش، قيادة وضباطاً وأفراداً، لبسط سلطة الدولة وحفظ الأمن والاستقرار في البلاد وضبط الحدود وحماية السلم الأهلي. وأكّد أنّ ما تتعرَّض له المؤسسة العسكرية وقيادتها من حين إلى آخر من حملات تشكيك وافتراء، لن تؤثر على أدائها الوطني الملتزم قرارات السلطة السياسية، أو على ثقة اللبنانيّين بها.

وفي هذه الأثناء، حذّر رئيس مجلس النواب نبيه بري في تصريحات له، من المسّ بالجيش وقيادته، وكان له لقاء أمس مع رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، الذي أوضح أنّ «هناك توافقاً مع الرئيس بري على أمرَين، «الأول رفض الفتنة، في اعتبارها الخطر الأكبر الذي يهدِّد البلاد، والأمر الثاني ضرورة حماية المؤسسة العسكرية بصفتها رمزاً للوحدة الوطنية وعدم المساس بها».

جولة نتنياهو

في غضون ذلك، أعلن نتنياهو خلال جولة ميدانية مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس في جنوب لبنان أمس، أنّ تعليماته تقضي بـ«الردّ الفوري على أي تهديد»، مؤكّداً أنّ إسرائيل ستواصل التعامل مع أي مخاطر أمنية من دون تأخير، بحسب تعبيره.

وأضاف نتنياهو، أنّ الجيش الإسرائيلي «صفّى 9 آلاف مسلح من «حزب الله» خلال الأسابيع الأخيرة»، مشيراً إلى أنّ الحزب لم يعُد يمتلك سوى نحو 8% من مخزون صواريخه. وشدّد على أنّ «لا مكان لـ«حزب الله» في جنوب لبنان»، معتبراً «أنّ هدف إقامة المناطق الآمنة في الجنوب يتمثل في إبعاد التهديد عن بلدات شمال إسرائيل». وأكّد أنّ «أهم ما فعلناه في لبنان هو إنشاء منطقة عازلة، المناطق الأمنية تُعتبر تغييراً في المفاهيم. لبنان يعترف بإسرائيل وإسرائيل تعترف بلبنان، وهما يسعيان لتحقيق السلام واستعادة الأمن والازدهار لسكانهما. ونقول لإيران والحزب اخرجوا من هنا. طالما أنّ «حزب الله» موجود هنا ويهدِّدنا فسنبقى هنا».