Beirut weather 26.32 ° C
تاريخ النشر June 12, 2026
A A A
«مصيدة المقاومة الاستراتيجية» تغرق جيش الاحتلال في أعقد حروب الاستنزاف
الكاتب: حسن حردان

كتب حسن حردان في البناء 

بعد أشهر من القصف الجوي الصهيوني المكثف والتوغل البري في بعض مناطق جنوب لبنان، يجد جيش الاحتلال “الإسرائيلي” نفسه عالقاً في واحدة من أعقد حروب الاستنزاف في تاريخه الحديث. فرغم الاختلال الهائل في ميزان القوى التقليدي والتكنولوجي لصالح تل أبيب، إلا أنّ الطبيعة الجغرافية الوعرة للجنوب اللبناني، مضافاً إليها المرونة التكتيكية العالية للمقاومة، حوّلت التوغل البري إلى “مصيدة استراتيجية” متواصلة.

تتجلى هذه المفارقة اليوم في اعترافات المحللين العسكريين والأوساط الأمنية الإسرائيلية بأنّ “الخيار العسكري قد وصل إلى سقفه تماماً”، مع تصاعد الكلفة البشرية والاقتصادية لبقاء القوات داخل القرى الحدودية دون أفق سياسي أو عسكري واضح لحسم المعركة.

 

أولاً: كابوس “الألياف الضوئية”

تحييد التكنولوجيا “الإسرائيلية”

في قلب هذا المأزق، برز عامل تكتيكي قلب الحسابات الميدانية لجيش الاحتلال، وهو الكثافة المتزايدة في استخدام “المُسيّرات الانقضاضية الموجهة بالألياف الضوئية”. هذا السلاح رخيص التكلفة نجح في إبطال مفعول منظومات الحرب الإلكترونية والتشويش التي تفاخرت بها “إسرائيل” لسنوات.

في هذا السياق، تشير صحيفة “يديعوت أحرونوت” في تحليلاتها العسكرية إلى خطورة هذا التحول بالقول:

“إننا نواجه استنزافاً قاتلاً بلا حلول تكنولوجية قريبة. هذه الطائرات الانتحارية اللاسلكية تعمل عبر وسط فيزيائي مغلق، مما يجعل منظومات قطع إشارات الراديو أو الـ GPS وعمليات التزييف الإلكتروني عديمة الجدوى تماماً أمامها”.

ونظراً لعدم انبعاث موجات لاسلكية من هذه المُسيّرات وصناعتها من مواد خفيفة، فإنّ الرادارات تعجز عن رصدها. ووفقاً للتقارير الأمنية، فإنّ جنود الاحتلال لا يكتشفون التهديد إلا عند سماع أزيز الطائرة فوق رؤوسهم مباشرة، وهو ما يحرمهم من ميزة “الإنذار المبكر”.

 

ثانياً: النزيف اليومي واستهداف “النخبة”

لم يعد الأمر مقتصراً على إرباك قوات العدو، بل تحوّل إلى نزيف بشري يومي يطال الضباط والجنود في الصفوف الأمامية. إنّ قدرة المشغل على رؤية الهدف ببث مباشر فائق الوضوح عبر سلك الألياف الضوئية منحت هجمات المقاومة دقة جراحية قادرة على اختراق النوافذ والمدرعات.

وقد ركزت المنصات والمواقع العسكرية “الإسرائيلية”، ومن بينها موقع “والا” الأمني، على خطورة التكتيكات المركبة التي تعتمدها المقاومة:

“المقاومة لا تكتفي بضرب القوات الإسرائيلية المتوغلة فحسب، بل باتت تستهدف بدقة منظومة الإخلاء الطبي. يتمّ إطلاق مُسيّرة لضرب القوة الميدانية، وعند تقدّم قوات الإنقاذ أو محاولة المروحيات الهبوط لإجلاء الجرحى، يتمّ الانقضاض عليها بمُسيّرات أخرى، مما يرفع الكلفة البشرية في صفوف وحدات النخبة ويخلق حالة من الشلل الميداني”.

هذا الاستهداف الدقيق دفع بالجيش “الإسرائيلي” إلى اللجوء لتدابير بدائية ومؤقتة، مثل تركيب شباك النايلون والصيد فوق آليات “الميركافا” وجرافات “D9″، والاستيراد العاجل لـ “الرصاص المتشظي” من الولايات المتحدة لمحاولة إسقاط المُسيّرات يدوياً بالبنادق الهجومية.

 

ثالثاً: معضلة الجغرافيا المحصّنة

إلى جانب التهديد الجوي، تشكل تضاريس الجنوب اللبناني حليفاً طبيعياً للمقاتلين وعائقاً مميتاً أمام الآليات الإسرائيلية. فالحديث الإسرائيلي عن “تطهير” القرى الحدودية يصطدم بواقع البنية العسكرية اللامركزية والمحصّنة بعمق داخل الجبال والأودية.

وتقرّ التقارير العسكرية العبرية بأنّ القصف الجوي، مهما بلغت شدّته، عاجز عن تدمير شبكات الأنفاق والتحصينات الصخرية الوعرة التي تسمح للمقاتلين بالتخفي والتحرك المرن، ثم الخروج لتنفيذ ضربات خاطفة بالصواريخ قصيرة المدى والمُسيّرات، والانسحاب دون ترك أثر.

 

رابعاً: سؤال الجدوى

أمام هذا الواقع الميداني المعقد، بدأت ترتفع الأصوات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لتساءل علناً عن جدوى الاستمرار في التوغل البري ومحاولة تثبيت ما يسمّى بـ “المنطقة العازلة”.

وفي قراءة نقدية حادة للمشهد، كتب المحلل العسكري لصحيفة “هآرتس”، عاموس هارئيل:

“إنّ القادة الميدانيين للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان باتوا يركزون بشكل أساسي في خططهم اليومية على كيفية إعادة جنودهم سالمين إلى الديار، بدلاً من التفكير في تحقيق أهداف الحرب الاستراتيجية. لقد تحوّلت المنطقة الدفاعية المفترضة إلى مصيدة موت يومية بلا أفق سياسي”.

كما لفتت صحيفة “إسرائيل اليوم” إلى التآكل الحاد في معنويات الجبهة الداخلية والخسائر الاقتصادية المستمرة، مشيرة إلى أنّ استطلاعات الرأي (مثل تلك الصادرة عن معهد الديمقراطية الإسرائيلي) تظهر انخفاضاً حاداً في ثقة الشارع بقدرة الجيش على حسم المعركة وإعادة سكان الشمال إلى مستوطناتهم بأمان.

 

خامساً: الاستنزاف كفخ استراتيجي

في المحصّلة، يظهر المشهد التحليلي داخل “إسرائيل” إقراراً ضمنياً بأنّ تفوق الآلة العسكرية لم ينجح في كسر إرادة القتال أو تدمير البنية العسكرية للمقاومة. ومع تحوّل مُسيّرات الألياف الضوئية والكمائن اللامركزية وسط الجبال إلى أداة يومية لجباية الأثمان، تجد “إسرائيل” نفسها أمام معضلة كلاسيكية لحروب العصابات: إما البقاء في مستنقع استنزاف مكلف وبلا نهاية، أو الإقرار بفشل الخيار العسكري والبحث عن مخارج سياسية تضع حداً لهذا النزيف المستمر.