Beirut weather 26.88 ° C
تاريخ النشر June 11, 2026
A A A
التصعيد الأميركي الإيراني.. إدارة صراع أم تمهيد لتجدد الحرب؟..
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في سفير الشمال

حبست منطقة الشرق الأوسط أنفاسها مجددا، بعد الهجمات التي نفذتها الولايات المتحدة الأميركية بعد منتصف الليل ضد أهداف في الساحل الجنوبي الإيراني.

 

ويفتح هذا التصعيد الباب أمام مرحلة جديدة من المواجهة المباشرة بين الطرفين، ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل المفاوضات وورقة التفاهم والاستقرار الإقليمي وحدود التصعيد الممكنة.

في المقابل برز إعلان مقر خاتم الأنبياء عن إغلاق مضيق هرمز أمام مختلف أنواع السفن بذريعة انعدام الأمن نتيجة الهجمات الأميركية، مع تحذير واضح من استهداف أي سفينة تحاول العبور، ما يعيد جهود تأمين حرية الملاحة البحرية في المضيق إلى المربع الأول.

 

وتشير المعطيات إلى أن الهجوم الأميركي الأخير حمل أبعاداً تتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة، إذ ينظر إليه بعض المراقبين بوصفه رداً انتقامياً على نجاح إيران في إسقاط مروحية أباتشي أميركية، وهو الحدث الذي اعتُبر إحراجاً للإدارة الأميركية وضربة معنوية للقدرات العسكرية التي لطالما روجت واشنطن لتفوقها النوعي.

 

وبحسب المعلومات المتداولة، تركزت الضربات الأميركية على سبع مناطق داخل إيران، مع تركيز خاص على منظومات الرادار والدفاعات الجوية ومراكز إطلاق الطائرات المسيّرة والخطوط الأمامية.

ويعكس هذا النمط من الاستهداف توجهاً أميركياً نحو إضعاف القدرات الدفاعية الإيرانية وتقليص هامش المناورة العسكرية لدى طهران، بدلاً من استهداف البنية التحتية الاقتصادية أو منشآت الطاقة بشكل مباشر.

 

 

 

اللافت في هذه التطورات أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي سعى في مراحل سابقة إلى لعب دور الوسيط لاحتواء التوتر بين إسرائيل وإيران، انتقل إلى موقع الطرف المباشر في المواجهة.

 

ويعكس هذا التحول حجم الإحباط الأميركي من مسار التفاوض، خصوصاً بعد رفض طهران إدخال تعديلات على بنود تفاهمات الإطار المطروحة، وتمسكها بمواقفها التفاوضية، الأمر الذي فُسر في واشنطن على أنه مماطلة واستخفاف بالجهود الأميركية.

وبدا واضحا أن الرئيس ترامب ما زال يفتش عن صورة انتصار تحفظ ماء وجهه أمام المجتمع الأميركي، وهذا ما جعله أمس في حالة من الارتباك والتخبط والتناقض، وقد حاول الإيحاء بأنه يمتلك اليد العليا في المواجهة، وأنه قادر على فرض شروطه على القيادة الإيرانية بالنار، كما أن إعلانه عن قيام كبار المسؤولين الإيرانيين بالاتصال به والطلب منه وقف الهجمات، جاء بمثابة اختلاق غير منطقي، وبروباغندا بعيدة عن الواقع، حيث سارع المسؤولون الإيرانيون إلى نفي ذلك جملة وتفصيلا.

 

على المستوى الميداني، تشير التقارير إلى وقوع اشتباكات مباشرة بين القوات الأميركية والإيرانية، في محيط الجزر الإيرانية وفي المياه الخليجية، وهو تطور يخرج عن قواعد الاشتباك التقليدية ويتجه نحو احتكاك مباشر بين الجيش الأميركي والقوات المسلحة الإيرانية قد يؤدي إلى سقوط قتلى من الجانبين، بما يحمله ذلك من مخاطر توسيع دائرة الصراع.

وتبين من خلال التصعيد أن الولايات المتحدة ركزت على استهداف القدرات الدفاعية الإيرانية بهدف تقليص فاعليتها العسكرية وفرض المزيد من الضغوط السياسية عليها لدفعها إلى القبول بالورقة الأميركية، في حين

 

توحي التطورات بأن إيران لا تزال تمتلك قدرات عسكرية فاعلة وقادرة على الرد، وهو ما انعكس في إعلان الحرس الثوري فجرًا عن “استهداف 18 هدفًا مهما تابعا للجيش الأميركي في قاعدتيّ علي السالم وأحمد الجابر في الكويت وقاعدة الشيخ عيسى في البحرين”، وهو ما يتعارض مع الرواية الأميركية التي تتحدث عن تراجع كبير في القدرات العسكرية الإيرانية.

 

وفي حال استمرت وتيرة التصعيد الحالية، فإن احتمال عودة إيران إلى استهداف مصالح وقواعد أميركية في المنطقة يبقى قائماً، كما أن إسرائيل قد لا تكون بمنأى عن أي رد إيراني محتمل.

 

إلا أن المؤشرات توحي بأن الطرفين لا يزالان يحاولان إدارة الصراع ضمن سقوف محسوبة، بحيث يتم توجيه الضربات من دون الانزلاق إلى حرب شاملة ومفتوحة، وأن ما يحصل يمثل سعيًا أميركيًا لدفع إيران لتقديم تنازلات تفاوضية، الأمر الذي يضاعف من التصلب الإيراني ويدفعها إلى إظهار قدرتها على الصمود والردع.

 

أمام هذا الواقع المتأزم، تعود المنطقة لتقف أمام مفترق: فإما استمرار سياسة إدارة الصراع ضمن حدود يمكن السيطرة عليها، وإما انزلاق الأحداث نحو مواجهة أوسع قد يصعب احتواء تداعياتها. وبين هذين الاحتمالين، يبقى العامل الحاسم مرتبطاً بقدرة الأطراف المعنية على ضبط إيقاع التصعيد ومنع تحوله إلى حرب مفتوحة ستكون كلفتها باهظة على الجميع.