Beirut weather 25.77 ° C
تاريخ النشر June 2, 2026
A A A
هل نحن أمام تفاهم نيسان جديد منقّح؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

لم تتضح بعدُ الصيغة النهائية للتفاهم الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوقف التصعيد في لبنان، ولا تزال الروايات المتداولة تتحدث عن تفاهم أكثر مما تتحدث عن اتفاق مكتمل البنود. فهل نحن أمام وقف شامل لإطلاق النار بين “إسرائيل” وحزب الله؟ أم أمام تفاهم محدود يقتصر على وقف استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت مقابل وقف استهداف مستوطنات الشمال؟ وهل يشمل وقف العمليات العسكرية في الجنوب اللبناني أم يقتصر على تحييد المناطق المدنية الكبرى من الاستهداف المتبادل؟

ما هو ثابت حتى الآن أن الإعلان الأميركي جاء بعد تصعيد خطير بلغ مستوى التهديد الإسرائيلي العلني باستهداف الضاحية الجنوبية، وردٍّ إيراني مباشر وغير مسبوق باعتبار أن أي استهداف للضاحية سيقابل باستهداف شمال فلسطين المحتلة. وبين هذين التهديدين تحرّكت واشنطن بسرعة، وأجرى ترامب اتصالات مع بنيامين نتنياهو، فيما نُقلت رسائل عبر الوسطاء إلى حزب الله ورئيس مجلس النواب نبيه بري، انتهت بإعلان أميركي عن تفاهم لخفض القتال ومنع الانزلاق نحو مواجهة أوسع.

اللافت أن مضمون التفاهم المتداول لا يتحدث عن نزع سلاح أو ترتيبات سياسية أو أمنية، بل يتركز على منع استهداف المناطق المدنية. وهنا تبرز المقارنة تلقائياً مع تفاهم نيسان 1996 الذي وُلد بعد عملية «عناقيد الغضب» الإسرائيلية ضد لبنان. يومها لم تنجح “إسرائيل” في فرض وقف للمقاومة، لكن التفاهم الذي رعته الولايات المتحدة وفرنسا وسورية ولبنان و”إسرائيل”، نصَّ بصورة واضحة على منع استهداف المدنيين من الطرفين.

تفاهم نيسان لم يمنع المقاومة من مواصلة عملياتها ضد قوات الاحتلال في الشريط المحتل، ولم يمنع “إسرائيل” من مواصلة عملياتها العسكرية ضد المقاومين، لكنه سحب من التداول ورقة استهداف المدنيين. والأهم أنه حرم “إسرائيل” من استخدام تدمير المدن والقرى وقتل المدنيين كوسيلة ضغط لإجبار المقاومة على التراجع أو فرض شروط سياسية عليها. ومنذ ذلك التاريخ وحتى التحرير عام 2000، انتقلت المواجهة تدريجياً إلى مواجهة بين المقاومة كقوة عسكرية وبين جيش الاحتلال كقوة عسكرية. ومع تراجع فعالية سلاح الضغط على المدنيين، فقدت إسرائيل واحدة من أهم أدواتها، فيما راكمت المقاومة إنجازاتها الميدانيّة وصولاً إلى الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان من دون قيد أو شرط.

اليوم تبدو عناصر مشابهة حاضرة في المشهد، لكنها غير مكتملة. فـ”إسرائيل” تقول إنها لن تقبل باستمرار استهداف مستوطنات الشمال، ووزير الحرب الإسرائيلي أعلن صراحة أن «لا هدوء في بيروت إذا لم يكن هناك هدوء في الشمال». وفي المقابل جاء التحذير الإيراني بأن استهداف الضاحية سيعني تعرض شمال “إسرائيل” للخطر. وبين المعادلتين يظهر للمرة الأولى تثبيت متبادل وغير معلن لربط الضاحية بالشمال الإسرائيلي، لكن ماذا عن الجنوب؟ وماذا لو استمر استهداف القرى وتهجير السكان؟ الجواب واضح وهو أن المقاومة سوف تواصل استهداف مستوطنات الشمال، وهنا يفتح الطريق لفرضية توسيع نطاق التفاهم وصولاً إلى تحييد المدنيين على جانبي الحدود أسوة بما جرى في تفاهم نيسان 1996.

هنا تكمن أهمية ما جرى. فإذا كان التفاهم المعلن يقتصر على وقف استهداف الضاحية مقابل وقف استهداف المستوطنات الشماليّة، فنحن أمام نسخة جزئية من تفاهم نيسان غير قابلة للحياة ما لم تشمل الجنوب وتقم على تحييد كامل للمدنيين في الجانبين. أما إذا كان التفاهم يتطور إلى وقف شامل ومتبادل لإطلاق النار، كما طالب الرئيس نبيه بري وأبلغ به الوسطاء الأميركيين، فإننا نكون أمام مرحلة جديدة كلياً تتجاوز مجرد حماية المدنيين إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك على كامل الجبهة.

الأهمية الأبعد لا تكمن فقط في مضمون التفاهم، بل في الجهات التي صنعت التوازن الذي فرضه. ففي عام 1996 كان العامل السوري حاضراً بقوة في صناعة تفاهم نيسان ورعايته. أما اليوم فإن العامل الإيراني يظهر بصورة مباشرة في المعادلة، بعد التحذيرات الإيرانية، وربط التهدئة في لبنان بمسار التفاوض الأميركي الإيراني، ما يكرّس للمرة الأولى حضوراً إيرانياً معلناً في رسم قواعد الاشتباك اللبنانية. كما أن تدخل واشنطن السريع لمنع انفجار الموقف يؤكد أن الساحة اللبنانية باتت جزءاً من المشهد التفاوضي الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران. كذلك فإن ما جرى يعيد إحياء مفهوم «وحدة الساحات» ولكن بصيغة مختلفة؛ والمعادلة لم تعد مقتصرة على تفاعل الجبهات ميدانياً، بل باتت تشمل الترابط السياسي والاستراتيجي بين مسار الحرب في لبنان وممسار التفاوض الإقليمي الأوسع. ولذلك يصعب فصل الإعلان الأميركي عن المناخ المحيط بالمفاوضات الجارية مع طهران، كما يصعب اعتبار ما جرى مجرد إجراء أمني موضعي لا يتجاوز حدود الجبهة اللبنانية.

لهذه الأسباب قد يكون من المبكر الحديث عن اتفاق جديد مكتمل الأركان، لكن من الصعب تجاهل أن ما أُعلن يمثل بداية مرحلة جديدة. وإذا نجحت هذه التفاهمات في تثبيت قاعدة تحييد المدنيين ومنع استخدام المدن والقرى الجنوبية والضاحية والمستوطنات الشمالية كساحات ضغط متبادل، فإن التاريخ قد يسجل أننا أمام نسخة منقحة من تفاهم نيسان، مختلفة في ظروفها ورعاتها، لكنها تقوم على الفكرة نفسها: إخراج المدنيين من المعركة وحصر المواجهة بين القوى العسكرية المتحاربة، وبداية مسار يشبه ذلك الذي بدأ في نيسان 1996 وانتهى بعد أربع سنوات بانسحاب إسرائيلي كامل من جنوب لبنان.