Beirut weather 25.21 ° C
تاريخ النشر June 2, 2026
A A A
“أخلوا منازلكم”… من يحمي اللبنانيين من الموت والاقتلاع؟

كتبت حسناء سعادة:

في الجنوب اللبناني، تحولت التهديدات الإسرائيلية إلى واقع يومي يقتحم البيوت والاهالي.

توغل عسكري، احتلال لمواقع وتلال وقلعة أثرية تختزن جزءاً من تاريخ البلاد، رسائل تهديد تطالب الأهالي بإخلاء منازلهم وقراهم، وغارات لا تترك خلفها سوى الركام وصور الأطفال والنساء تحت الأنقاض.

في كل مرة، يخرج المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي ليكرر الرواية ذاتها “الاستهداف لا يطال الشعب اللبناني بل حزب الله”، لكن الواقع على الأرض يروي حكاية أخرى، اجساد اطفال ونساء، منازل مدمرة وتهجير ممنهج.

إذا كان الهدف ليس الشعب، فلماذا يدفع المدنيون الثمن الأكبر؟ ولماذا تتحول القرى إلى مساحات خوف؟

إن القانون الدولي واضح في هذا المجال “حماية المدنيين ليست تفصيلاً، بل التزام أساسي يقع على عاتق الأطراف المتحاربة، ويقوم على مبدأي التمييز والتناسب، أي عدم استهداف المدنيين أو تعريضهم لأخطار غير مبررة، وعدم فرض معاناة جماعية بحجة ملاحقة أهداف عسكرية”.

والأخطر من القصف نفسه، أن تصل الأمور إلى مطالبة الأهالي بإخلاء منازلهم وقراهم تحت التهديد، وكأن سكان الأرض باتوا يتلقون أوامرهم من قوة عسكرية أجنبية. فأين سيادة الدولة؟ وأي معنى يبقى للحدود والاستقلال عندما يُطلب من المواطنين مغادرة بيوتهم خوفاً من الموت أو الدمار؟ أليس في ذلك انتهاك صارخ لمبادئ القانون الدولي الإنساني، وتهديد مباشر للحقوق الأساسية للإنسان، وفي مقدمتها الحق في الحياة، والأمن، والسكن، والكرامة الإنسانية؟.

غريب امر الكيل بمكيالين، بالامس عندما اعلن الرئيس الاميركي دونالد ترامب انه تم التوصل الى وقف النار قامت الدنيا في الكيان الاسرائيلي ولم تقعد وتم اتهام ترامب بالتدخل وارتفعت الاصوات بأن ذلك مقلق ويعيد التساؤل حول استقلالية القرار الاسرائيلي.

في لبنان عم الصمت تجاه ما جرى، صمت بات قاعدة موجعة ازاء كل ما جرى ويجري في جنوب لبنان ما يدفع للتساؤل حول ماذا تفعل الدولة اللبنانية أمام مشهد يتكرر وبيوت تسوى بالارض واهالي تحت الانقاض لا تسمح اسرائيل بالوصول اليهم لانتشالهم؟ أين الحضور السياسي والدبلوماسي والقانوني في مواجهة وقائع تُفرض بالقوة؟ وكيف يمكن للبنانيين أن يشعروا بأن دولتهم قادرة على حماية الحد الأدنى من حقوقهم الوطنية والإنسانية؟

ثم أين دور قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، اليونيفيل؟ ان وجودها لم يكن رمزياً أو بروتوكولياً، بل جاء ضمن ولاية واضحة تستند إلى قرارات دولية، هدفها المساهمة في حفظ الاستقرار ومراقبة الأوضاع على الأرض والحد من التصعيد.

وفي ظل التوغلات والتهديدات واستهداف المدنيين، يصبح السؤال مشروعاً: هل يقتصر دور هذه القوات على المراقبة الصامتة؟ أم أن واجبها يفرض عليها توثيق الانتهاكات، وممارسة دور أكثر فاعلية في حماية الاستقرار ومنع الانزلاق نحو مزيد من التصعيد؟

وأين المجتمع الدولي؟ أين الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، ومنظمة الصحة العالمية، وسائر الهيئات الإنسانية والحقوقية التي ترفع لواء الدفاع عن الإنسان وكرامته؟ هل يصبح الدم اللبناني أقل استعجالاً؟ وهل يُترك المدنيون وحدهم لمواجهة الخوف والنزوح والموت البطيء؟

إن المسؤولية القانونية والأخلاقية للمجتمع الدولي لا تحتمل التأجيل أو البيانات الدبلوماسية الباردة. المطلوب إجراءات عملية وفورية لحماية المدنيين اللبنانيين، ومنع التهجير القسري، وضمان احترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه، ووضع حد لكل الممارسات التي تستهدف السكان المدنيين والبنى التحتية المدنية والصحية.

الصمت هنا لا يعني الحياد، بل قد يتحول إلى شريك غير مباشر في استمرار المأساة. وحماية المدنيين ليست خياراً سياسياً يُخضع للمصالح والتوازنات، بل التزام قانوني وإنساني لا يجوز التخلّي عنه.

في الجنوب اليوم، لا يُختبر فقط صمود الناس، بل تُختبر أيضاً صدقية العالم كله أمام حق الإنسان في أن يعيش آمناً في بيته وعلى أرضه.