Beirut weather 25.77 ° C
تاريخ النشر June 1, 2026
A A A
لبنان قد يشعل المنطقة
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

– عندما اندفعت الولايات المتحدة إلى حرب حزيران 2025 ضد إيران، لم يكن ذلك حدثاً منفصلاً عن المسار الذي سبقها في غزة ولبنان واليمن والعراق. فقد جاءت الحرب بعد أشهر طويلة من الدعم الأميركي الكامل للحروب التي قادتها “إسرائيل”، على أمل إنتاج انتصار حاسم يغيّر وجه المنطقة. لكن الحرب في غزة لم تنتهِ إلى حسم، والحرب في لبنان لم تنجح في إنهاء دور المقاومة، كما فشلت المواجهات في اليمن والعراق في فرض الوقائع التي راهنت عليها واشنطن وتل أبيب.

 

– لهذا بدت الحرب على إيران بمثابة الرهان الكبير على إسقاط النظام أو فرض الاستسلام أو إنتاج شرق أوسط جديد بالقوة. وعندما انتهت الحرب دون تحقيق هذه الأهداف، انتقل الرهان إلى محاولة استثمار الضغوط الاقتصادية والاحتجاجات الداخلية مطلع عام 2026، أملاً بإحداث تغيير من الداخل، لكن هذا المسار لم ينجح هو الآخر. ثم جاءت الحرب الأخيرة على قاعدة استهداف القيادات وإحداث فراغ سياسي وأمني يسمح بإسقاط النظام أو فرض شروط استسلامية، غير أن النتيجة كانت تحوّل المواجهة إلى حرب استنزاف متبادل وتجميع أوراق تفاوضية.

 

– في نهاية المطاف خرجت إيران محتفظة بأوراق قوة أساسية. فقد بقيت قدرتها الصاروخية مصدر تهديد مباشر لـ”إسرائيل”، وظهرت للمرة الأولى ورقة مضيق هرمز حاضرة بقوة في أي حساب اقتصادي عالمي، بينما ظهرت هشاشة أمن الطاقة في الخليج مع كل تصعيد عسكري. وفي المقابل لم تتمكن الولايات المتحدة من فرض أكثر من تشديد الحصار على الموانئ الإيرانية ومحاولة غير مؤكدة لخنق التجارة الخارجية لإيران.

 

– عند هذه النقطة بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب البحث عن مخرج سياسي يحوّل صورة الاتفاق المحتمل مع إيران من تسوية تفرضها موازين القوى ويصعب حجب صورة الهزيمة فيها عن الرأي العام الأميركي المتوثب ضده، إلى ما يمكن تسويقه كانتصار سياسي. فجاء الربط بين الاتفاق مع إيران وبين توسيع اتفاقات أبراهام. وقد دعا ترامب بصورة علنية دولاً عربية وإسلامية، وفي مقدمتها السعودية وقطر وباكستان، إلى الانضمام إلى اتفاقات أبراهام بالتزامن مع أي اتفاق مع إيران، بينما ذهب السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام إلى الحديث عن عواقب وخيمة قد تواجه الدول التي ترفض الانضمام إلى هذا المسار. لكن هذا الرهان تعثر سريعاً؛ فقد نقلت مصادر سعودية عبر قناة العربية تمسُّك المملكة بموقفها المعروف القائم على ربط أي تطبيع بقيام دولة فلسطينية ومسار سياسي واضح لا رجعة فيه. كما أعلن وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف بصورة واضحة أن بلاده لا تنوي الانضمام إلى اتفاقات أبراهام وأن موقفها من “إسرائيل” لم يتغير.

 

– في الوقت نفسه كان هناك رهان آخر يجري العمل عليه في لبنان، حيث سعت “إسرائيل” إلى استثمار المناخ التفاوضي الذي اندفعت إليه السلطة اللبنانية لإقامة معادلة أمنية جديدة تجعل مؤسسات الدولة اللبنانية، وفي مقدمها الجيش اللبناني، شريكاً في ترتيبات تستهدف المقاومة تحت عنوان الأمن والاستقرار. لكن المواقف الصادرة عن المؤسسة العسكرية اللبنانية خلال جلسات التفاوض في واشنطن وبعدها خلال الأيام القليلة الماضية عادت لتشدد على أولوية وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي ورفض أي ترتيبات تتجاوز هذه الأولويات.

 

– وجد ترامب نفسه أمام تعثر الرهانين معاً؛ فلا الدول العربية والإسلامية التي أراد ضمها إلى اتفاقات أبراهام أبدت استعداداً للسير في هذا الاتجاه، ولا المسار اللبناني أنتج الصيغة الأمنية التي تطمح إليها “إسرائيل”. وفي المقابل لم ينجح التصعيد الإسرائيلي في لبنان في توفير الأمن الذي وعدت به الحكومة الإسرائيلية لمستوطنات الشمال، بل إن عدداً متزايداً من التحليلات الإسرائيلية بدأ يتحدث عن استمرار الاستنزاف وتراجع فرص تحقيق إنجاز حاسم، ووصف الوصول إلى قلعة شقيف جديراً بالتقاط الصور التذكارية أكثر من الحديث عن أمن الشمال، كما قال وزير الحرب يسرائيل كاتس.

 

– المشكلة التي تواجه واشنطن اليوم أن العودة إلى الحرب لا تبدو قادرة على تغيير الوقائع التي أفرزتها المواجهات السابقة، رغم ما تملكه الولايات المتحدة و”إسرائيل” من قدرة تدميرية لن تغير خيارات إيران ولا نظامها بقدر ما سوف تستدرج ردوداً قد لا يحتملها الخليج والأسواق العالمية وربما “إسرائيل”. أما الاستمرار في المراوحة، فيحمل مخاطر أخرى؛ لأن الأسواق العالمية التي هدأت نسبياً على أساس توقع اقتراب التسوية قد تعود سريعاً إلى التوتر إذا تبين أن المفاوضات دخلت طريقاً مسدوداً، خصوصاً مع بقاء ملف مضيق هرمز وأمن الطاقة العالمي مفتوحاً على احتمالات خطيرة.

 

– تبدو المنطقة واقفة أمام مفترق حساس؛ فلا الحرب قادرة على إنتاج الحسم الذي فشلت في تحقيقه سابقاً، ولا التسوية تسير بالسرعة التي تسمح بإقفال ملفات النزاع. وبين هذين الخيارين يبقى لبنان إحدى أكثر الساحات عرضة للاشتعال، خصوصاً مع استمرار التصعيد الإسرائيلي من جهة، وتصاعد التحذيرات الإيرانية من نفاد الصبر تجاه السلوك الإسرائيلي وغضّ النظر الأميركي، والتهديد الموازي بانخراط قوى إضافية من محور المقاومة في أي مواجهة واسعة من جهة أخرى، ما يجعل أي انفجار كبير في لبنان مرشحاً للتحول إلى كرة نار تمتد آثارها إلى المنطقة كلها.