Beirut weather 25.77 ° C
تاريخ النشر June 1, 2026
A A A
افتتاحية “الجمهورية”: السعودية وفرنسا ومصر تدعم تثبيت وقف النار… ومجلس الأمن ينعقد بطلب فرنسيّ
الكاتب: الجمهورية

في أخطر مرحلة منذ اندلاع الحرب، يبدو لبنان أمام مفترق سياسي وأمني حاسم، مع انتقال إسرائيل من سياسة الضغط العسكري إلى محاولة فرض وقائع جغرافية وأمنية جديدة في الجنوب، مستفيدة من تفوقها الميداني ومن التعقيدات الداخلية اللبنانية والإقليمية. وفي المقابل، تتمسك الدولة اللبنانية بقيادة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بخيار التفاوض السياسي والديبلوماسي، مدعومة بموقف عربي ودولي متنامٍ، يعتبر أنّ الحل المستدام لا يمكن أن يتحقق إلّا عبر تثبيت سلطة الدولة اللبنانية وحصرية السلاح بيدها وتنفيذ القرار 1701 كاملاً.

 

فاحتلال إسرائيل قلعة الشقيف التاريخية والتوسع شمال الليطاني، لا يمكن قراءتهما بوصفهما مجرد عمليات عسكرية ميدانية، بل باعتبارهما رسالة سياسية واضحة، مفادها أنّ تل أبيب تسعى إلى تحسين شروطها التفاوضية ورفع سقف مطالبها قبل أي تفاهمات إقليمية محتملة، ولا سيما على خط واشنطن – طهران. ولذلك، تبدو جولة المفاوضات المرتقبة في واشنطن أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأنّها قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة، سواء باتجاه تثبيت وقف إطلاق النار أو نحو مزيد من التصعيد.

 

وعد أميركي

 

وعلمت «الجمهورية»، أنّه في ضوء الاتصالات التي يجريها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مع الإدارة الأميركية، تلقّى وعداً بالعمل على تثبيت وقف إطلاق النار قبل انعقاد جولة المفاوضات السياسية المقرّرة في مقر وزارة الخارجية الأميركية. إلّا أنّ الأوساط الرسمية لا تُبدي تفاؤلاً كبيراً بإمكان نجاح هذه المساعي سريعاً، في ظل المؤشرات المتزايدة إلى أنّ إسرائيل تتّجه نحو مزيد من التصعيد الميداني، وقد تسعى إلى توسيع نطاق عملياتها في اتجاه النبطية أو مداخل البقاع الغربي، بهدف قطع خطوط التواصل بين الجنوب والبقاع.

 

حراك سعودي

 

وأكّدت هذه الأوساط لـ«الجمهورية»، أنّ المملكة العربية السعودية دخلت بقوة على خط الاتصالات السياسية منذ نهاية الأسبوع، دعماً لجهود تثبيت وقف إطلاق النار ومنع انزلاق الوضع نحو مواجهة أوسع، في موازاة تحركات فرنسية ومصرية وعربية داعمة للاستقرار اللبناني.

 

بري

 

وفي هذا الإطار، برز موقف لافت لرئيس مجلس النواب نبيه بري عبر قناة «أن بي أن»، قال فيه: «إنني أضمن التزاماً كاملاً وشاملاً وفورياً لوقف إطلاق النار من قبل حزب الله، لكن السؤال: من يُلزم إسرائيل بوقف عدوانها براً وبحراً وجواً وهدمها للقرى والمنازل؟».

 

وأكد بري ضرورة الحفاظ على الحكومة اللبنانية ورفض أي دعوات لإسقاطها.

 

وقال بري إنه يضمن التزام “حزب الله” بوقف إطلاق النار مقابل وقف إسرائيل الحرب. وأضاف “أن وجود وسطاء في مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل يُعدّ المسار الأنجح للتوصل إلى تفاهمات وتهدئة الوضع القائم”. واكد أن “لدي همّان اليوم وقف الحرب أولاً والحفاظ على الوحدة الداخلية والاستقرار ورعاية النازحين ثانياً”.

 

وقالت مصادر مطلعة لـ«الجمهورية»، إنّ هذا الموقف من شأنه أن يساهم في دعم الجهود السياسية والديبلوماسية الرامية إلى وقف إطلاق النار، ولا سيما إذا وجد آذاناً صاغية لدى الإدارة الأميركية والوسطاء الدوليين.

 

المسار السياسي

 

وفي موازاة التطوّرات العسكرية، ينطلق غداً في واشنطن المسار السياسي للمفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، بعد جولة أمنية وعسكرية استضافها البنتاغون.

 

وتقول مصادر ديبلوماسية لـ«الجمهورية»، إنّ الوفد اللبناني يدخل المفاوضات في ظروف شديدة التعقيد، إذ يجد نفسه أمام إسرائيل تحاول ترجمة تقدّمها العسكري إلى شروط سياسية وأمنية. فبينما يتمسك لبنان بثوابت القرار 1701 وسيادته على أراضيه، تسعى تل أبيب إلى فرض معادلات جديدة، مستندة إلى الوقائع التي صنعتها على الأرض.

 

لكن هذه المصادر تؤكّد أنّ قدرة لبنان على الصمود التفاوضي لا تزال قائمة، خصوصاً إذا نجحت الدولة في تعزيز موقعها الداخلي وإظهار استعدادها لتحمّل مسؤولياتها كاملة في الجنوب، لأنّ المجتمع الدولي بات أكثر اقتناعاً من أي وقت مضى بأنّ الاستقرار الدائم لا يمكن أن يتحقق إلّا عبر الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية.

 

سفير أوروبي سابق لـ«الجمهورية»

 

وفي قراءة لافتة لمسار الحرب والمفاوضات، يشرح سفير أوروبي سابق في لبنان لـ«الجمهورية» ما يجري حالياً، معتبراً أنّ «السلطة اللبنانية تأخّرت سنوات في الانتقال إلى مفاوضات متكافئة لترسيم الحدود البرية وإنهاء حالة الحرب. وكان من المفترض أن يحصل ذلك مباشرة بعد اتفاق ترسيم الحدود البحرية، لكن لبنان تأخّر في بسط سلطة جيشه على الأرض وتجنيب شعبه حربين قاسيتين، فيما لا تزال الحرب الأخيرة تهدّد وجوديته السياسية والاقتصادية».

 

ويضيف أنّ «المسؤولين اللبنانيين يفاوضون اليوم في ظل واقع ميداني متبدّل بسرعة، بينما ترى إسرائيل أنّ ما حققته عسكرياً يسمح لها بالمطالبة بخطوات عملية تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار إلى فرض ترتيبات أمنية طويلة الأمد».

 

ويرى السفير، أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتعامل مع الحرب باعتبارها فرصة سياسية نادرة لفرض شروطه، مستفيداً من الانقسامات اللبنانية ومن الاعتراضات المتنامية على خيارات «حزب الله»، لكنه في الوقت نفسه يفاقم الانقسامات الداخلية اللبنانية ويعمّق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الناتجة من النزوح والدمار.

 

ويخلص، إلى أنّ المفاوض اللبناني يحتاج إلى عنصر قوة أساسي على الطاولة، يتمثل في قدرة الدولة على فرض سيادتها على كامل أراضيها، لأنّ أي تسوية جدّية لن تقوم إلّا على قاعدة واضحة: دولة قوية مقابل إنهاء أسباب الحرب، وسلام مستدام مقابل تثبيت الشرعية اللبنانية.

 

مجلس الأمن

 

وفي موازاة ذلك، يعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً طارئاً بطلب من فرنسا لبحث التطورات الخطيرة في لبنان، بعد التوسع العسكري الإسرائيلي واحتلال قلعة الشقيف التاريخية.

 

وأكّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أنّ «لا شيء يبرر التصعيد الكبير الجاري حالياً في جنوب لبنان»، مشدّداً على ضرورة وقف القتال والتوصل إلى تفاهمات إقليمية تمنع اتساع رقعة الحرب.

 

كما أبلغ وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو نظيره اللبناني يوسف رجي، أنّ باريس ماضية في تحركها الديبلوماسي دعماً للبنان وسيادته ومفاوضاته المباشرة، باعتبارها السبيل الوحيد للوصول إلى حل دائم.

 

وفي هذا السياق، يُنتظر وصول الموفد الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت خلال الساعات المقبلة، حيث سيجري سلسلة لقاءات مع المسؤولين اللبنانيين تتناول مستقبل قوات «اليونيفيل» ومسار المفاوضات والاحتياجات الإنسانية الناتجة من الحرب.

 

الموقف الإسرائيلي

 

في المقابل، تواصل إسرائيل رفع سقف تهديداتها. فبعد إعلان السيطرة على قلعة الشقيف، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية، أنّ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو

 

يبحث مع حكومته في توسيع العمليات العسكرية، بما يشمل العودة إلى استهداف بيروت.

 

كما تحدثت تقارير إسرائيلية عن ضغوط يمارسها نتنياهو على الإدارة الأميركية للحصول على ضوء أخضر لمزيد من العمليات العسكرية، فيما يواصل وزير الدفاع يسرائيل كاتس التأكيد أنّ القوات الإسرائيلية ستبقى في المواقع التي سيطرت عليها ضمن ما يسمّيها «المنطقة الأمنية».

 

أما وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير فذهب أبعد من ذلك، داعياً إلى توسيع الحرب واستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، في مواقف تعكس حجم الضغوط التي تتعرّض لها الحكومة الإسرائيلية من أجنحتها الأكثر تشدّداً.

 

موقف عربي داعم للدولة

 

وعربياً، برزت مواقف داعمة للبنان ولخيار الدولة ومؤسساتها. فقد شدّدت مصر على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية ودعم الجيش اللبناني وتمكينه من بسط سلطته على كامل الأراضي اللبنانية. كما أكّد الأردن دعمه الكامل للبنان وسيادته، داعياً إلى تثبيت وقف إطلاق النار وتنفيذ القرار 1701 بكل مندرجاته، فيما دانت قطر استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والتوغل البري، مؤكّدة دعمها الكامل لوحدة لبنان واستقراره. وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة لأنّها تلتقي جميعها عند نقطة أساسية: دعم مؤسسات الدولة اللبنانية والجيش اللبناني وحصرية السلاح بيد الشرعية، باعتبار ذلك المدخل الضروري لأي تسوية سياسية أو أمنية مستدامة.

 

وفي الخلاصة، تبدو المعركة الحقيقية اليوم أبعد من حدود الجنوب وخطوط التماس. إنّها معركة تثبيت الدولة اللبنانية واستعادة قرارها الوطني في مواجهة مشروعين متناقضين: مشروع يسعى إلى فرض الوقائع بالقوة العسكرية، ومشروع يقوده لبنان الرسمي لإعادة بناء الاستقرار على قاعدة الشرعية والمؤسسات. وبين هذين المسارين، يراهن لبنان على أن تمنحه المفاوضات فرصة أخيرة لتحويل منطق الدولة إلى حقيقة سياسية كاملة، قبل أن تفرض الميادين وقائع يصعب تغييرها لاحقاً.