Beirut weather 17.43 ° C
تاريخ النشر May 22, 2026
A A A
رسالة العقوبات: لبنان دون الشيعة ودولة تنسق مع «إسرائيل»
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

لن تنفع كل محاولات التخفيف من الرسائل الخطيرة التي حملتها العقوبات الأميركية الأخيرة على شخصيات نيابية وعسكرية وسياسية، في جعل الأمر بحثًا في الملفات التي نشرتها وزارة الخزانة لتبرير إدراج كل اسم بعينه، فهذا لن يكون إلا استخفافًا بالعقول، وتسويقًا للعقوبات التي تحمل رسائل شديدة الخطورة تهدّد مستقبل لبنان الوطن والدولة، حيث لا تكمن خطورة العقوبات الأميركية الجديدة في مجرد استهداف شخصيات من حزب الله أو حركة أمل، فهذا المسار بدأ منذ سنوات، وطال وزراء ونوابًا ورجال أعمال ومؤسسات مالية وإعلامية.

 

الجديد هذه المرّة أن العقوبات تبدو أقرب إلى إعلان سياسي عن شكل الدولة اللبنانية التي تريدها واشنطن بعد الحرب، وعن التوازنات الداخلية التي تعتبرها مقبولة أو غير مقبولة في لبنان الجديد الذي يجري الحديث عنه على هامش التفاوض الأميركي ـ الإيراني وترتيبات الجنوب وإعادة الإعمار. فالعبرة ليست فقط في الأسماء، بل في مواقعها ووظائفها والرسائل الكامنة خلف استهدافها. عندما يُستهدف النائب حسن فضل الله، فالقضية لا تتعلق بكونه نائبًا في حزب الله فقط، بل لأنه يمثل عمليًا قناة التواصل السياسية مع رئيس الجمهورية، ولأنه مكلف بواحدة من أكثر المهمات حساسية في إدارة العلاقة بين الحزب والرئاسة. وهنا تتحول العقوبات إلى رسالة مباشرة إلى رئيس الجمهورية نفسه: إن أي تنظيم طبيعي للعلاقة مع حزب الله أو أي تعامل معه بوصفه جزءًا من البنية السياسية اللبنانية سوف يصبح موضع استهداف أميركي وضغط سياسي ومالي. أي إن المطلوب عمليًا ليس فقط الضغط على الحزب، بل عزل الحزب سياسيًا داخل الدولة ومنع أي محاولة لتطبيع العلاقة معه داخل المؤسسات الرسمية.

 

الأمر نفسه ينسحب على البيئة السياسية المحيطة بالرئيس نبيه بري، حيث العقوبات السابقة التي طالت الوزير السابق علي حسن خليل لم تكن مجرد استهداف لشخصية سياسية، بل رسالة مباشرة إلى بري نفسه. واليوم، مع استكمال استهداف الدائرة القريبة منه، بشخص بمكانة أحمد بعلبكي ومعاونه أحمد صفاوي، يصبح المعنى أكثر وضوحًا: واشنطن تنتقل تدريجيًا من الضغط على الحلفاء إلى الاقتراب من رأس التمثيل السياسي الشيعي نفسه. وهذا ليس تفصيلًا في بلد يقوم نظامه على التوازنات الطائفية والسياسية الدقيقة، لأن استهداف البيئة السياسية الشيعية المركزية يعني عمليًا أن المطلوب ليس فقط تعديل سلوك سياسي، بل إعادة صياغة موقع الطائفة الشيعية نفسها داخل الدولة ومعادلاتها.

 

الأخطر من الرسائل السياسية هو ما يتعلق بالمؤسسات العسكرية والأمنية. لأن العقوبات الجديدة لا تبدو موجّهة إلى أفراد بقدر ما تبدو موجهة إلى قيادة الجيش وقادة الأجهزة الأمنية مجتمعين. الرسالة هنا تقول بوضوح إن العلاقة الإيجابية مع واشنطن في المرحلة المقبلة لن تقوم على مبدأ الشراكة التقليدية أو الدعم التقني والعسكري فقط، بل على إعادة هيكلة المؤسسات على قاعدة العداء لحزب الله. لم يعد المطلوب مجرد النأي بالنفس أو تنظيم العلاقة مع المقاومة وفق مقتضيات الواقع اللبناني، بل تحويل العداء للمقاومة إلى شرط للقبول الأميركي وللحماية السياسية والمهنية داخل المؤسسات، وهذا يجري عشية تشكيل الوفد العسكري الذاهب إلى واشنطن للتنسيق مع الإسرائيليين وفقًا لمخرجات جلسة التفاوض المباشر الأخيرة، ليقول إن خيار التفاوض المباشر لم يعد مجرد أداة تقنية للدولة بل هو خيار استراتيجي يمثل التنسيق مع “إسرائيل” أحد عناوينه، وتجب إعادة هيكلة الدولة على مقاس هذه الهوية الجديدة، التنسيق مع “إسرائيل”.

 

هنا تظهر أخطر دلالات العقوبات. فالضابط الشيعي داخل المؤسسة العسكرية أو الأمنية يصبح عمليًا موضع اشتباه تلقائي، لا بسبب فعل محدد، بل بسبب البيئة والانتماء والوظيفة وطبيعة التواصل التي تفرضها التركيبة اللبنانية نفسها. والرسالة الضمنية تقول إن إثبات البراءة يمر عبر إظهار العداء لحزب الله وعدم إقامة أي علاقة معه حتى عندما تكون الوظيفة والمسؤولية الوطنية تفرضان ذلك. أي إن المطلوب ليس فقط ضبط العلاقة مع المقاومة، بل إعادة تعريف الهوية السياسية والأمنية للمؤسسات اللبنانية نفسها.

 

هنا يصبح الحديث عن “إعادة هيكلة الدولة” أكثر وضوحًا. لأن واشنطن لا تريد فقط ترتيبات جنوب الليطاني أو ضمانات أمنية للحدود، بل تريد دولة جديدة بمعايير جديدة: مؤسسات أمنية ترى في حزب الله عدوًا لا شريكًا في التوازن الوطني، وطبقة سياسية شيعية معزولة أو ضعيفة التأثير، ومسارًا لبنانيًا منفتحًا على التنسيق الأمني والسياسي مع المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي كثمن يجب تسديده مقابل طلب الاستقرار وإعادة الإعمار والمساعدات الدولية.

 

في التوقيت تأتي العقوبات في هذا التوقيت بالذات، عشية الحديث عن مفاوضات في واشنطن، وترتيبات للجنوب، وربط المساعدات الدولية وإعادة الإعمار بشروط سياسية وأمنية واضحة. فالمسألة لم تعد مالية أو قانونية فقط، بل أصبحت جزءًا من مشروع سياسي متكامل لإعادة إنتاج لبنان وفق ميزان قوى جديد تحاول واشنطن فرضه كثمرة لخيار التفاوض المباشر. ولذلك فإن الرسالة الفعلية للعقوبات ليست فقط “اضغطوا على حزب الله”، بل “أعيدوا بناء الدولة اللبنانية على قاعدة القطيعة مع حزب الله واعتبار التنسيق مع إسرائيل” خيارًا استراتيجيًا كترجمة لإعلان التفاوض خيارًا استراتيجيًا. وهنا تحديدًا تكمن خطورة المرحلة، لأن المطلوب لا يبدو مجرد تعديل في السياسات، بل تعديل في هوية الدولة نفسها وفي موقع مكوّن أساسي من مكوّناتها الوطنية والسياسية، وهذه ليست إلا شرارة أولى لأخذ لبنان إلى انفجار داخلي بما تعنيه من خلل بتوازنات رسمها اتفاق الطائف والعودة إلى صيغة العام 1943 بثنائية مارونية سنية.

 

ليست المشكلة في أن تفكر أميركا بهذه الطريقة، ستكون المشكلة في أن يمضي أصحاب التفاوض المباشر في خيارهم وهم يرون النتائج بدلاً من التوقف وإعادة النظر، والقول إن لا يشارك الجيش في تنسيق عسكري مع “إسرائيل” على قاعدة وضع ضباطه في دائرة الاستهداف ولا جلسة تفاوض مباشر قادمة على قاعدة استهداف مكون لبناني رئيسي طائفيًا وسياسيًا.