Beirut weather 18.54 ° C
تاريخ النشر May 21, 2026
A A A
انتحار أم تغطية على خسائر ميدانية… أسئلة تلاحق الجيش الإسرائيلي بعد «الهدنة»؟

كتب عباس المعلم:

منذ إعلان “الهدنة” المزعومة بين لبنان وكيان الاحتلال في نيسان الماضي، بدأت تتكشف ظواهر غير اعتيادية داخل الجيش الإسرائيلي، أبرزها الارتفاع المفاجئ في أعداد الجنود الذين يُعلن عن وفاتهم تحت توصيفات “الانتحار” أو “الحوادث غير القتالية”، في توقيت يُفترض نظرياً أنّه أقلّ مراحل المواجهة خطورة وتوتراً.
ففي الأسبوع الأول فقط بعد إعلان الهدنة، أعلن جيش الاحتلال تسجيل ست حالات انتحار في صفوف جنوده، تبعها في الأسبوع الثاني إعلان انتحار أربعة جنود إضافيين، إلى جانب مقتل ستة آخرين في ما وصفه الجيش بـ”حوادث منفصلة غير قتالية”. أما خلال النصف الأول من شهر أيار الحالي وحتى اليوم، فقد أعلن الاحتلال انتحار جندي إضافي ومقتل خمسة آخرين بحوادث مختلفة من دون تقديم تفاصيل واضحة حول ظروفها وملابساتها.
هذا التزامن العددي والزمني يفتح الباب أمام تساؤلات مهنية وعلمية عميقة حول طبيعة ما يجري فعلياً داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، خصوصاً أنّ تفسير هذه الحالات بالخوف من القتال أو رفض العودة إلى الجبهات لا يبدو متماسكاً بالكامل وفق المعايير النفسية والسلوكية التقليدية.
فعلى المستوى العلمي، الشخص الذي يخشى الموت في المعركة أو يعاني من قلق حاد تجاه العودة إلى القتال، غالباً ما يلجأ إلى أنماط سلوكية دفاعية تهدف إلى تجنّب الخطر لا إلى إنهاء الحياة. وفي العلوم النفسية والعسكرية، تُسجل حالات واسعة لجنود يحاولون التهرّب من الجبهات عبر افتعال إصابات، أو الادّعاء بأزمات نفسية، أو السعي للحصول على إعفاءات صحية، لأنّ غريزة البقاء تبقى العامل الأقوى في لحظات الخوف الحاد. أما الانتقال مباشرة من “الخوف من الموت” إلى “قتل الذات”، فهو مسار أكثر تعقيداً ويرتبط عادةً بحالات انهيار نفسي مركّب، أو صدمات عميقة، أو شعور حاد بالعجز والانكسار وفقدان المعنى، وليس فقط بالخوف التقليدي من المعركة.
الأمر يصبح أكثر تعقيداً حين يتعلق بجنود نظاميين محترفين اختاروا الخدمة العسكرية بإرادتهم، ويخوضون القتال بصورة مستمرة ومنتظمة. فهؤلاء، وفق الدراسات المرتبطة بسلوك الجيوش المحترفة، يكونون أكثر تكيّفاً نفسياً مع بيئة الحرب مقارنة بجنود الاحتياط أو المجنّدين حديثاً، ما يجعل تزايد حالات الانتحار أو “الحوادث الغامضة” في صفوفهم مؤشراً يستحق التوقف عنده بجدية.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل هذه الظواهر عن طبيعة الحرب الحالية نفسها، والتي تختلف عن كثير من المواجهات التقليدية التي خاضها الجيش الإسرائيلي سابقاً. فالمعركة القائمة على الجبهة اللبنانية تتسم بدرجة عالية من الاستنزاف النفسي والعصبي، بسبب، الضربات الدقيقة، المسيّرات الانقضاضية، الكمائن المتحركة، غياب خطوط الاشتباك الواضحة، والاستنزاف الدائم المرتبط بحالة الترقب والرصد المستمر.
هذا النوع من الحروب يخلق ما يُعرف عسكرياً بـ”الإرهاق العملياتي التراكمي”، حيث لا يكون الجندي تحت ضغط الاشتباك المباشر فقط، بل تحت ضغط دائم ناتج عن احتمال الاستهداف في أي لحظة ومن أي اتجاه، وهو ما يؤدي تدريجياً إلى إنهاك الجهاز العصبي وارتفاع معدلات القلق واضطرابات النوم والانهيار النفسي.
لكن رغم كلّ ذلك، يبقى العنصر الأكثر إثارة للريبة هو توقيت هذه الوفيات تحديداً. فمن اللافت أنّ الجيش الإسرائيلي لم يسجل، وفق ما أُعلن رسمياً، هذا النمط المكثف من حالات “الانتحار” و”الحوادث غير القتالية” خلال حرب الأيام الـ 45 التي بدأت في الثاني من آذار الماضي، رغم أنها كانت مرحلة اشتباك مباشر وعنيف ومفتوح. أما بعد إعلان “الهدنة”، فقد ارتفع فجأة عدد القتلى الذين يُعلن عن وفاتهم خارج إطار المعارك المباشرة.
ومن هنا تحديداً يبرز احتمال آخر أكثر ارتباطاً بالمنطق العسكري والإعلامي الإسرائيلي، وهو أنّ المؤسسة العسكرية قد تلجأ، تحت ضغط الرقابة الأمنية المشدّدة ومنع نشر الخسائر الحقيقية، إلى إعادة تصنيف جزء من قتلاها ضمن خانة “الحوادث” أو “الانتحار” أو “الوفيات غير القتالية”، بهدف تخفيف الأثر المعنوي والسياسي للخسائر الناتجة عن العمليات العسكرية والمواجهات الميدانية.
فالجيش الإسرائيلي يملك تاريخاً طويلاً في إدارة الرواية المرتبطة بخسائره البشرية، سواء عبر تأخير الإعلان، أو فرض الرقابة العسكرية، أو استخدام توصيفات فضفاضة للأحداث الأمنية الحساسة. ولذلك فإنّ الإعلان عن مقتل نحو عشرين جندياً خلال فترة قصيرة تحت عناوين متفرقة وغير قتالية، في مرحلة يفترض أنها “هدنة”، يطرح علامات استفهام كبيرة تتجاوز الرواية الرسمية المعلنة.
وفي المحصلة، سواء كانت هذه الحالات ناتجة فعلاً عن انهيارات نفسية عميقة، أو مرتبطة بعمليات التفاف إعلامي على خسائر ميدانية، فإنّ الثابت الوحيد في هذا المشهد هو أنّ الحرب الحالية تركت آثاراً قاسية ومتراكمة داخل الجيش الإسرائيلي نفسه، وأنّ صورة “الجيش المتماسك نفسياً ومعنوياً” لم تعد تبدو بالصلابة ذاتها التي حاولت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تسويقها لعقود طويلة…