Beirut weather 27.43 ° C
تاريخ النشر May 9, 2026
A A A
سؤال رئاسي: أيّهما أولاً الأرض أم السلاح؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

– يُكثر كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة من تقديم مسار التفاوض الذي ترعاه واشنطن كطريق عقلاني واقعي لإنهاء الاعتداءات الإسرائيلية وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وضمان عودة المهجرين وبدء الإعمار، ويضيفان أن حصر السلاح بيد الدولة قرار لا تراجع عنه؛ لأنه ترجمة للمفهوم السيادي للدولة، ويقولان إن اتفاق الطائف قال بحصرية السلاح وبسط سيادة الدولة، وقال بتحقيق الانسحاب الإسرائيلي بكافة الوسائل المتاحة، وهو ما تقول المقاومة إنه يشملها ويحق للحكومة أن تقول إنه يشمل التفاوض، وأمس قال رئيس الحكومة إن حكومته الذاهبة للتفاوض متمسكة بوقف إطلاق النار وانسحاب الاحتلال وعودة المهجرين، وإنها استعادت قرار التفاوض بعدما استعادت قرار الحرب والسلم.

 

– لأن تكديس الكلام يضيّع الحقائق، ويطمس القضايا سنبدأ باستعادة القرار، وهنا على الحكومة الاعتراف بأن قرار الحرب بيد الاحتلال، وقرار السلم بيد أميركا، وقرار التفاوض على السلم بيد الحكومة؛ وهذا لم تتم استعادته فهو دائماً متاح، والإشارة إلى المسار الإيراني الأميركي كمسار تفاوض بديل تمّ تعطيله، مبالغة مزدوجة، فهو مسار لا يزال مرفوضاً من الأميركي الذي لا يريد إلزام “إسرائيل” بالعودة إلى اتفاق 2024 لأن إسرائيل لا تريد ذلك، وهو من الزاوية الإيرانية يتيح للدولة اللبنانية – إذا نجحت إيران بفرض مطلبها بالعودة إلى اتفاق 2024 – أن تفاوض إذا شاءت على ما بعد تنفيذ اتفاق 2024 بصيغة العودة إلى اتفاق الهدنة أو معاهدة عدم اعتداء أو اتفاقية إنهاء حال الحرب أو اتفاق سلام، والفقرة 13 من اتفاق 2024 تنص على تفاوض غير مباشر برعاية أميركية وأممية لحل القضايا المتنازع عليها، كما أن قضيّة مستقبل السلاح تبقى قضية تستطيع الدولة اللبنانية أن تتبنّى منها الموقف الذي تراه مناسباً، مع العلم أن مناقشة مستقبل السلاح بعد زوال الاحتلال تمنح الدولة موقع قوة لا تملكه مع بقاء الاحتلال، والتسرّع بالاحتفال بفك الاشتباك بين مسار التفاوض اللبناني الإسرائيلي ومسار التفاوض الأميركي الإيراني، هو احتفال بتحقيق إسرائيل مكسباً كبيراً بإزالة الضغط الأميركي عنها لتنفيذ اتفاق 2024، فإذا كان ثمن الاتفاق الأميركي الإيراني هو تلبية هذا الطلب الإيراني، فهنيئاً لبنيامين نتنياهو تحقيق الإنجاز بأيدٍ لبنانية.

 

– السؤال الذي لا مفر من الإجابة عليه بلا لفّ ودوران من قبل أهل السلطة، هو: نفهم أنكم تطلبون الأمرين معاً، حصر السلاح واستعادة الأرض، و”إسرائيل” وأميركا تريدان نزع سلاح المقاومة بوعد البحث بمصير الأرض بعد ذلك، فما هي أولويّتكم أنتم، السلاح أولاً أم الأرض؟ لأن هذه هي القضية، وعمرها من عمر اتفاق الطائف، الذي بنى سيناريو بسط سلطة الدولة على فرضية تحقيق الانسحاب الإسرائيلي وتنفيذ القرار 425 بناءً على المناخات التي رافقت ولادة الاتفاق إقليمياً ودولياً، والتي أدى تعثرها إلى تعثر الحديث عن سلاح المقاومة ما دام الاحتلال مستمراً، ويعلم رئيس الحكومة أن لا شرعيّة لأي قرار بنزع سلاح أي مقاومة في أي بلد ما دام الاحتلال فيها قائماً، مهما دبّج لذلك من سرديات وبنى من هياكل قانونية وهمية، لأن هذا مجرد زبد يذهب جفاءً وما ينفع الناس يمكث في الأرض.

 

– السؤال الآن: هل الأولوية هي للأرض أم للسلاح؟ لأن الجواب الأميركي الإسرائيلي واضح وجاهز وهو: تعالوا نتعاون لنزع السلاح وبعدها نبحث بما يلي، الأرض والأمن والسيادة أمور لاحقة، ولا حاجة للتذكير بمثال سورية، حيث لا سلاح ولذلك لا بحث بمستقبل الأرض والأمن والسيادة، ونحن هنا لا نريد إقناع أحد بأن يقول إن الأولوية للأرض فتلك خيارات يتخذها المسؤول ويكتب عنها التاريخ، ونكتفي بمناقشة الفرضيّات، حيث يستحيل جمع الهدفين معاً إلا بصيغة اتفاق 2024، أي بسط سيادة حصرية للدولة في جنوب الليطاني مقابل انسحاب الاحتلال إلى الخط الأزرق ووقف كل الانتهاكات البرية والبحرية والجوية وعودة المهجّرين وبدء الإعمار، والذي عطل هذا المسار ولا يزال يعطله هو الاحتلال بالدعم الأميركي اللامحدود الذي يلقاه، وقد أظهرت المقاومة انفتاحها على هذا الخيار والتزمت بموجباته من طرف واحد لخمسة عشر شهراً، وكانت السلطة تتبنّى هذا الخيار الذي نتجت عنه فقرات في خطاب القسم والبيان الوزاري تنصّ على حوار جامع حول استراتيجيّة للأمن الوطني تتضمن استراتيجية للدفاع، والحال هو نفسه إذا كان خيار السلطة هو أولوية الأرض على نزع السلاح.

 

– السؤال للسلطة: إن كانت ذاهبة إلى التفاوض وهي تعلم أن الخيار الأميركي الإسرائيلي هو أولوية نزع السلاح وبعدها نتحدث، فماذا سوف تفعل؟ هل تقبل؟ وإن قبلت ماذا تستطيع أن تفعل غير التورط في مواجهة داخلية، والإسرائيلي يتفرّج عليها تغرق ويغرق معها لبنان بالدماء، التي كان أشرف للبنان أن يبذلها في وجه الاحتلال بدلاً من أن تُسفك في الاحتراب الداخلي بين اللبنانيين، وخصوصاً توريط الجيش اللبناني بذلك، بينما الإسرائيلي يواصل التوسّع وتجريف البلدات والقرى وبناء منطقة الاستيطان المقبلة؟

 

– السؤال يبقى مطروحاً بلا لفّ ودوران، أيهما أولاً الأرض أم السلاح؟ واسترداد الأرض يسهل مهمة حصر السلاح، بينما جعل السلاح أولَ يضيّع الأرض ولا ينزع السلاح، بل ينزع المزيد من الاستقرار والأرواح، لكم أن تجيبوا ولكم أن تلتزموا الصمت؛ لأن الأيام سوف تجيبنا عن خياركم والتاريخ سوف يقرّر أن يدرج خياركم.