Beirut weather 21.32 ° C
تاريخ النشر May 3, 2026
A A A
حين غابت الدولة… تكلّم الإعلام بلسان الحرب (من اجتياح 1982 إلى إعلام اليوم)

كتب المحامي طنوس فرنجيه:
في الدول المستقرة، يُستدعى الإعلام عند الأزمات ليكون أداة ضبط، تهدئة، وتوحيد للرأي العام. أما في لبنان الحرب، وتحديداً خلال الاجتياح الإسرائيلي عام 1982–1983، فقد انعكست الصورة بالكامل: غابت الدولة، فتكلم الإعلام، لا باسم الوطن، بل بأصوات متنازعة رسمت حدود الدم والانقسام.

لم يكن لبنان آنذاك يعيش أزمة عابرة، بل انهياراً مركّباً في بنية الدولة نفسها. فبعد اغتيال الرئيس بشير الجميل، وتسلم أمين الجميل مقاليد الحكم، بدا واضحاً أن السلطة المركزية عاجزة عن فرض سيادتها، لا على الأرض ولا على الخطاب العام. في ظل هذا الواقع، تحوّل الإعلام من مساحة وطنية جامعة إلى ساحة مواجهة موازية، لا تقل خطورة عن الجبهات العسكرية.

لم تكن المشكلة في غياب النصوص القانونية. فلبنان كان يملك قانون مطبوعات، ووزارة إعلام، وأدوات نظرية لضبط الأداء الإعلامي. لكن الإشكالية الحقيقية تمثّلت في غياب القدرة على التنفيذ. إذ كيف لدولة تتنازعها السلطات والميليشيات أن تفرض خطاباً موحداً على وسائل إعلام تتبع فعلياً لهذه القوى ذاتها؟

هكذا، وُلد ما يمكن تسميته بـ”إعلام الجبهات”. لكل طرف روايته، لكل منطقة حقيقتها، ولكل إذاعة جمهورها الذي تُعبّئه وتؤطر وعيه وفق منطق الصراع. لم يعد الخبر خبراً، بل موقفاً. ولم تعد الكلمة وسيلة نقل، بل أداة تعبئة. في هذا السياق، لم يكن الإعلام مجرد ناقل للأحداث، بل شريكاً في صناعتها، ومسرّعاً لإيقاعها.

صحيح أن بعض المحاولات الرسمية صدرت، عبر بيانات تدعو إلى الوحدة الوطنية أو الامتناع عن التحريض، إلا أنها بقيت حبراً على ورق. فالدولة التي لا تملك قرار الحرب والسلم، لا يمكنها أن تملك قرار الكلمة. وهنا تكمن المفارقة القاسية: في لحظة كان يفترض أن يكون الإعلام فيها صمام أمان، تحوّل إلى أحد عوامل تفكك النسيج الأهلي.

ولعل المقارنة مع مراحل لاحقة من الحرب، كفترة حكومتي سليم الحص وميشال عون في أواخر الثمانينات، تؤكد أن المشكلة لم تكن ظرفية، بل بنيوية. إذ حتى عندما اشتدت محاولات ضبط الإعلام، جاءت منقسمة بدورها، تعكس انقسام السلطة، وتحوّلت أحياناً إلى أدوات تعبئة إضافية بدل أن تكون وسائل تهدئة.

أما اليوم، فالمشهد يبدو مختلفاً في الشكل… ومتشابهاً في الجوهر.

لبنان لم يعد ساحة حرب أهلية مفتوحة، لكن الانقسام السياسي العميق ما زال قائماً، وقد وجد طريقه إلى الإعلام بصيغة أكثر حداثة وخطورة. لم يعد “إعلام الجبهات” محصوراً بإذاعات حزبية محلية، بل تمدّد إلى فضاءات رقمية ومنصات عابرة للحدود، حيث تتداخل السرديات المحلية مع روايات إقليمية ودولية.

في هذا السياق، يبرز منحى لافت يتمثّل في تبنّي بعض الوسائل الإعلامية اللبنانية خطاباً يقترب، جزئياً أو كلياً، من السردية الإسرائيلية في توصيف الأحداث. فلا يُستخدم مصطلح “اعتداء” عند الحديث عن العمليات العسكرية داخل الأراضي اللبنانية، بل تُستبدل بتعابير أكثر حيادية أو ملتبسة. كما يغيب مصطلح “المقاومة” من القاموس الإخباري لبعض هذه الوسائل، أو يُستعاض عنه بتوصيفات أخرى تعكس تموضعاً سياسياً واضحاً.

هذا التحوّل لا يمكن قراءته فقط كخيار مهني أو لغوي، بل هو انعكاس مباشر لانقسام عميق حول تعريف المفاهيم نفسها:
ما هو “الاعتداء”؟ من هو “المعتدي”؟ وما هي “المقاومة”؟

وهنا تعود الإشكالية ذاتها التي حكمت إعلام الحرب:
حين يغيب الإجماع الوطني، تتحول اللغة إلى ساحة صراع بحد ذاتها.

لكن الفارق الجوهري أن إعلام اليوم لا يعمل في فراغ داخلي فقط، بل ضمن بيئة دولية مفتوحة، حيث تتنافس السرديات وتُضخّ عبر منصات عالمية، ما يجعل تأثيرها أوسع وأسرع وأكثر تعقيداً. وبالتالي، فإن تبنّي أي وسيلة إعلامية لسردية معينة لم يعد مجرد تعبير عن انقسام داخلي، بل قد يتحوّل إلى جزء من صراع روايات يتجاوز الحدود اللبنانية.

بين الأمس واليوم، خلاصة واحدة تتكرّر:
عندما تضعف الدولة كمرجعية جامعة، لا يبقى الإعلام مرآة للحقيقة، بل يصبح مرآة للانقسام.

ففي 1982، تكلّم الإعلام بلسان الميليشيات.
واليوم، يتكلم—في بعض وجوهه—بلسان الاصطفافات السياسية، وأحياناً بظلال سرديات خارجية.

والخطر في الحالتين واحد:
أن تتحول الكلمة من وسيلة لفهم الواقع إلى أداة لإعادة تشكيله وفق ميزان القوى، لا وفق الحقيقة.

من هنا، لا تبدو الحاجة ملحّة فقط لتنظيم الإعلام، بل لإعادة تعريف دوره:
هل هو ناقل للخبر، أم صانع للرواية؟
وهل يمكن للبنان، في ظل انقساماته الراهنة، أن ينتج إعلاماً وطنياً جامعاً، أم سيبقى أسير تعدد الحقائق… وتعدد الأوطان داخل الوطن الواحد؟