Beirut weather 22.99 ° C
تاريخ النشر May 3, 2026
A A A
أخطأ الإعلام… فاستباحوا غبطته!!!

كتب المحامي زياد الخازن:

في لبنان، لا تحتاج الشرارة إلى كثير من الوقود كي تتحول إلى حريق. يكفي خطأ إعلامي، أو فيديو عابر، حتى تنفلت الكلمات من عقالها، وتغدو الساحة أشبه بمحكمةٍ شعبية لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن خصم. وما جرى أخيراً، على خلفية فيديو مسيء نُشر على محطة ال LBCI بحق الشيخ نعيم قاسم، ثم ما تلاه من تطاول على شخص غبطة البطريرك بشارة الراعي، ليس سوى مثال إضافي على خللٍ عميق في البوصلة الوطنية.

المسألة، في جوهرها واضحة، إذا أخطأت وسيلة إعلام، تُسأل هي. هذا هو منطق القانون، وهذا هو الحدّ الأدنى من العدالة. أما نقل السجال من مساءلة الفاعل إلى استهداف مرجعية دينية لا صلة لها بالفعل، فليس سوى انحراف عن العدالة واستدراجٌ للنزاع إلى غير ساحته. كأننا، في كل مرة، نُخطئ العنوان عن قصد.

البطريرك الماروني ليس مُعِدّاً لبرنامج تلفزيوني، ولا محرّراً في غرفة أخبار. هو في الوجدان اللبناني، امتداد لدور تاريخي لعبته بكركي حين كانت في اللحظات الصعبة، صوت الكيان وملاذ فكرة لبنان. ومن يراجع تجربة البطريرك الياس الحويك يُدرك أن هذا الدور لم يُبنَ على الغلبة، بل على الشراكة. يوم دافع عن إعلان لبنان الكبير 1920، لم يطلب لبناناً لطائفته، بل وطناً يتّسع للجميع.

لهذا، فإن التطاول على البطريرك الماروني لا يصيب شخصاً بقدر ما يصيب فكرة. هو مسّ برمزية جامعة، في لحظة يحتاج فيها البلد إلى ما يجمع لا ما يفرّق. والأسوأ، أنه يأتي في سياق انفعالي تختلط فيه المسؤوليات، فيُحاسَب من لم يفعل، ويُترك من فعل.

كان يمكن، ببساطة، أن تُسلك الطرق القانونية في مواجهة المحطة التي نشرت الفيديو. كان يمكن أن يُقال الكثير في نقد الأداء الإعلامي، أو في الدفاع عن كرامة شخصية دينية. لكن أن يتحوّل الأمر إلى حملة على بكركي، فذلك يشبه أن تُصوَّب العقوبة إلى غير موضعها، وأن تُكسَر المرآة لأن الصورة لم تعجبنا. وهو، في جوهره، لا يبتعد كثيراً عن حكايات “أحكام قرقوش” الشهيرة، حين يُروى أنه أصدر حكم بشنق رجل قصير القامة، فلما تبيّن أن الحبل لا يبلغ عنقه، أمر بإحضار رجل طويل القامة ليُشنق بدلاً منه! هكذا، بدل أن يُسأل الفاعل الحقيقي، يُستبدل الهدف، وتضيع العدالة بين عبث القرار وسهولة الانفعال.

لبنان، في نهاية المطاف، ليس بحاجة إلى مزيد من الخصومات، هو غارق بها حتى أذنيه. ما يحتاجه، في هذه اللحظات تحديداً، هو أن نستعيد الحدّ الأدنى من المنطق، أن نسمّي الأشياء بأسمائها، وأن نوجّه النقد حيث يجب، وأن نحمي ما تبقّى من رموز جامعة بدل أن نحوّلها إلى أهداف سهلة.

في لبنان، لم يعد الخطأ تفصيلاً يُغتفر، ولا الانحراف في التصويب زلّة عابرة، فكل سهمٍ يُطلق في غير موضعه، لا يضلّ طريقه… بل يعود إلينا جرحاً أعمق وأزمةً تتسع على حساب ما تبقى من وطن.