Beirut weather 21.88 ° C
تاريخ النشر April 27, 2026
A A A
هزال حالة ترامب ونتنياهو والسلطة
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

يقول المثل الشعبي عن حالة الاستقواء المتبادل بين فاشلين، “عصفور كفل زرزور”، في توصيف للثقة في غير مكانها التي يضعها أهل السلطة اللبنانية على قيام الرئيس الأميركي بضمان التزام رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو؛ ويقول مثل شعبي آخر، عن وهم الشعور بقوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدى أهل السلطة اللبنانية، وافتراض أنه قادر على المساعدة قبل اكتشافهم أنه يحتاجها منهم، “جينا لعبد المعين حتى يعين طلع بدو مين يعينو”؛ ويقول مثل ثالث عن أوهام وظنون ونوايا مختلفة بين الشركاء الثلاثة، “الجمل بنية والحمل بنية والجمّال بنية”، والجمل الإسرائيلي يريد من الجمّال إيصاله إلى أقرب نقطة يشرب فيها ويرمي الحمل عن ظهره، بينما يريد الحمل اللبناني أن يبقى الجمّال ممسكاً برسن الجمل حتى يوصله إلى حيث يقصد الوصول، فيما الجمّال الأميركي يحتاج إلى صورة الجمل والحمل على ظهره ورسن الجمل بيده، وليفعل الجمل والحمل ما يشاءان بعدها.

مشكلة السلطة التي تدلّ على هزالها العقلي والسياسي والشعبي، في كونها ذهبت إلى خيار تكتشف كل يوم أنه مليء بالحفر والمطبات، يصدر بيان يضاف إليه توقيعها حول وقف النار بشروط إسرائيلية، مهينة ومذلة للبنان واللبنانيين وتسير بعكس طلبات السلطة من التفاوض، وتمنح الشرعية للاحتلال ومواصلة الاعتداءات، والسلطة لا تجرؤ على القول إنها لم تطلع على البيان ولم تمنح موافقتها عليه، خشية إغضاب الأميركي وخسارة وهم الدعم الذي تمني النفس به، ثم تفاجأ بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن لقاء مرتقب بين الرئيس اللبناني ورئيس حكومة الاحتلال خلال ثلاثة أسابيع، وهي لا تجرؤ على القول إن هذا اللقاء غير وارد الآن أو على الأقل قبل الانسحاب ووقف الاعتداءات، وتوسّط القادة العرب والأوروبيين لدى الرئيس الأميركي لمنحها العذر عن عدم التلبية بعدما كانت تدخر هذه الوساطات لضمان تنفيذ الطلبات. ومشكلة السلطة أنها سارت بالخطة الأميركية الإسرائيلية المعلنة بإعلان حلف لبناني إسرائيلي بوجه المقاومة أنها لا تملك القدرة على الإيفاء بالتزامات فعلية، وإن حاولت قد تأخذ لبنان معها إلى انهيار سياسي وأمني يخرج عن السيطرة، وإن لم تسر بالخطة سقط رهانها وسقطت معه.

بنيامين نتنياهو في أسوأ أيامه داخل الكيان، وفشله الانتخابي صار مؤكداً، وهو يعلم أنه لا يستطيع ضمان الفوز بالحرب ضد المقاومة، التي كلما طالت أيامها ظهر ميزانها راجح الكفة لصالح المقاومة، وزاد استنزاف الجيش ومستوطنات الشمال إلى حد ظهور مطالبتين متعاكستين، واحدة من مستوطنات الشمال بالمزيد من الحرب طلباً للأمن، وثانية من الجيش والبيئة العامة للكيان لوقف الحرب طلباً لوقف الاستنزاف، وهو يسعى إلى الإمساك بالعصا من الوسط فيقول إن رهانه على فرض السلام بالقوة ينجح، فيختار مثالاً هزيلاً لا يقنع أحداً داخل الكيان، هو السلطة اللبنانية، ثم يراهن على ترحيل مسؤولية إدارة العلاقة مع المقاومة أمنياً وسياسياً للسلطة اللبنانية وهو يعلم أنها لا تستطيع شيئاً، لكنه يأمل أن ينجح في توريطها مع المساعدة الأميركية لتفجير الداخل اللبناني، خصوصاً تفجير علاقة الجيش والمقاومة، وهما منتبهان جداً لتدارك هذه المخاطر.

دونالد ترامب الجمّال الذي شردت جماله من القافلة وتاه عن الطريق، لم يعد لديه إلا هذا الجمل الأعرج وهذا الحمل الزهيد السعر، ويريد صورة قوة توحي بأن الجمل يشقّ بطون الرمال في الصحراء وأن الحمل ثقيل حتى أتعب الجمل، بينما الجمل أعرج، وأن ثقل الحمل لما يحتويه ولعله من ذهب، وهو ربما من تبن، وإلا كيف يسرق رئيس الدولة الأعظم في العالم الذي أعلن إنهاء عشرة حروب لم تنه أي واحدة منها بعد، صورة اجتماع سخيف قياساً باهتماماته وبطولاته، يفترض أن يضم سفيرين مقيمين في واشنطن مع سفير من سفراء إدارته لبرمجة موعد المفاوضات التي يفترض أنها لم تبدأ بعد، ويقوم بنقل مكان الاجتماع إلى البيت الأبيض ويستحضر أركان إدارته، فقط لأجل صورة، ليتحدث عن الحرب الدائرة منذ ثلاثة آلاف سنة بين لبنان و”إسرائيل”، كما قال عن حرب غزة، وينهيها كما أنهى حرب غزة؟

هزال يستنجد بهزال يستند إلى هزال، ربما يشبه حال ما يوصفه المثل الشعبي، عن لقاء “المتعوس وخايب الرجا”، ويصحّ القول المتعوس وخايب الرجا وعديم البصر والبصيرة.

الأمل معقود على ما تقوم به المقاومة، كما كان معقوداً عليها قبل العام 2000 وقد جاءت يومها بالتحرير بعد صبر عظيم، وهذه المرّة ستعود بالنصر مع تضحيات أكثر ربما لكن مع صبر وزمن أقل، والصورة التي تستحق أن ينتظرها الرؤساء هي الصورة التي نالها الرئيس أميل لحود مكللاً بالورد والغار في بنت جبيل بين أبناء شعبه يوم التحرير.