Beirut weather 21.88 ° C
تاريخ النشر April 27, 2026
A A A
من ساقية الجنزير.. إلى البيت الأبيض!
الكاتب: صلاح سلام

كتب صلاح سلام في “اللواء”:

حالة الغضب التي عمَّت شوارع بيروت بعد ظهر السبت الماضي ليست مسألة عادية، ولا يجوز التعامل معها كحادث عابر، يطويه النسيان في اليوم التالي.
واقع الغليان المتزايد في العاصمة يبرر السعي لبيروت خالية من السلاح، ويستوجب المعالجة الجدية والسريعة، ليس من قبل الحكومة وحسب، بل وأيضاً على المستويين السياسي والحزبي، وخاصة الحزبي.
يبدو أن الرئيسين نبيه برّي ونواف سلام يدركان جيداً، ويمكن أكثر من غيرهما، حساسيات الوضع في بيروت، وما ينطوي عليه من مخاطر أمنية وإجتماعية، فكانا يسارعان إلى تطويق ما يحصل في الشارع من توتر وإضطراب، وإطفاء نار الفتنة في مهدها، ومنع إنتشارها وجرّ البلاد والعباد إلى فوضى تُضاعف مآسي النزوح والأزمات المعيشية التي يرزح تحت ضغوطها البلد، بعد الحرب المدمرة الثانية خلال أقل من سنتين.

محاولات توريط البلد في فتنة فوضوية لن تساعد مخططات التهرب من المسؤولية التي يسعى لتنفيذها البعض، لأن إنقاذ البلد لا يكون بمزيد من المشاكل والكوارث ، بل بمواجهة الأمر الواقع بشجاعة ورباطة جأش، وتجنب الوقوع بمزيد من الأخطاء القاتلة، والإقدام على إتخاذ القرارات الصعبة، رأفة بمجتمعنا، وخاصة بأهلنا في الجنوب الذين لم يعد لديهم القدرة على تحمل المزيد من مصائب الحرب وتداعياتها التدميرية والتهجيرية، في ظروف معيشية متفاقمة، مالياً وإجتماعياً، سواء على مستوى الدولة شبه المفلسة، أو بالنسبة للعائلات المنكوبة التي تعيش على شظف العيش بعد سلسلة النكبات التي ضربت البلد، بدءًا من الإنهيار المالي وإنفجار المرفأ، وصولاً إلى حرب ايلول ٢٠٢٤، وحرب آذار ٢٠٢٦.
أولى الخطوات الشجاعة لمواجهة الأمر الواقع وبدء الخروج من دوامة الكارثة الراهنة تكون بالإعتراف بأن المفاوضات مع العدو الإسرائيلي، والتي إخترقت أسوار البيت. الأبيض، تبقى إحدى السبل المتاحة لتحرير الأرض، وتحقيق الأمن والإستقرار لأهلنا في الجنوب ، بعد سنوات طويلة من الحروب والتهجير والاضطرابات الأمنية والحياتية التي تجاوزت كل الخطوط الحمر، مع عدو يمارس أبشع أساليب الأرض المحروقة ضد البشر والحجر، ويعيث تلويثاً للأرض والهواء.
من حق حزب الله أن يعارض المفاوضات مع الإسرائيلي، رغم أن الأمين العام الراحل للحزب الشهيد السيد حسن نصرالله أعلن أن الحزب يقف خلف الدولة في مفاوضات الترسيم البحري مع العدو الإسرائيلي. ولكن معارضة الحزب اليوم لا تعطيه حق الفيتو على الخيارات التي يتوافق عليها أكثرية اللبنانيين، سعياً لإنقاذ بلدهم من محن الحروب وكوارثها البشرية والمدنية.
ما يتردد من أن المفاوضات لا تحظى بإجماع لبناني، هو قول مردود، ويفرض على أصحابه تساؤلاً وطنياً وشرعياً بإمتياز: هل التورط في حرب «إسناد غزة»، ثم في «حرب إسناد إيران» كان موضع تشاور، نقول «تشاور» وليس توافق، مع أحد من الشركاء في الوطن. أم أن التفرد بالقرار، ودون بقية الأطراف السياسية والحزبية، كان وراء توريط لبنان في حربين لا قدرة للبلد ولا لأهله على تحمل تداعياتهما، والكوارث الإنسانية والإجتماعية التي نجمت عنهما.
إن إفتقاد القدرة على المواجهة العسكرية، والعجز عن تحرير الأرض بالعمل العسكري، يفرضان على كل مسؤول، بغض النظر عن موقعه الرسمي وغير الرسمي، البحث عن سبل إنتشال البلد من براثن الإحتلال، وإستعادة كل حبة تراب من أرض الوطن بسلوك الطريق الدبلوماسية، وإعتماد التفاوض أسلوباً لتحقيق ما ليس للدولة قدرة على تحقيقه في الميدان العسكري.
لقد علمتنا تجارب الأمم والشعوب أن المفاوضات هي التي تُنهي النزاعات الدموية والعسكرية، وأن الجلوس إلى طاولة التفاوض يعني إنتقال المواجهة من الميدان إلى غرفة المفاوضات، التي تشهد عادة جولات مضنية للتوصل إلى التسويات التي تنهي الخلافات.
في هذه الظروف التاريخية الصعبة التي يمر بها الوطن، لا أحد يستطيع أن يزايد على شرعية الدولة في القرارات والخطوات التي تتخذها المؤسسات الدستورية، ويطلق إتهامات التخوين جزافاً، ويجعل من الشعارات الفئوية والطائفية والمذهبية سبيلاً للتهرب من مسؤولية ما أصاب البلاد والعباد من خراب ودمار وتهجير.
وقف الإعتداءات والخروقات الإسرائيلية اليومية، الإنسحاب الكامل من آخر شبر على الحدود الدولية، إطلاق الأسرى، إعادة النازحين إلي بلداتهم ومنازلهم جنوب الليطاني وكل المناطق الأخرى، العودة إلى أحكام الهدنة الموقعة عام ١٩٤٩، هي بنود التفاوض الحالي برعاية أميركية غير مسبوقة. فهل المطلوب التفريط بهذه الأهداف الوطنية والمصيرية، وتضييع هذه الفرصة النادرة، كما هدرنا عشرات الفرص الأخرى؟