Beirut weather 17.99 ° C
تاريخ النشر April 21, 2026
A A A
كمائن الهدنة: ردّ المقاومة بالمثل وتآكل الردع الإسرائيلي
الكاتب: حسن حردان - البناء

بينما كانت تل أبيب تراهن على أنّ “هدنة العشرة أيام” ستكون فرصة لفرض واقع أمني جديد بأقلّ التكاليف، جاءت الأيام الثلاثة الأخيرة لتقلب الطاولة على رؤوس القادة العسكريين والسياسيين في كيان العدو. الخسائر التي تكبّدها جيش الاحتلال ـ مقتل ضابط وجندي وإصابة 37 آخرين وتدمير فخر الصناعة العسكرية “الميركافا” ـ لم تكن مجرد أرقام في سجل الحرب، بل كانت إعلاناً صريحاً عن فشل استراتيجي إسرائيلي في إدارة الصراع تحت سقف الهدنة.
أولاً: تثبيت معادلة الردع في قلب الهدنة
أولى دلالات الفشل الإسرائيلي تكمن في سقوط فرضية “التحرك الحر”. لقد اعتقد الجيش الإسرائيلي أنّ بإمكانه مواصلة عمليات التمشيط وتثبيت المواقع وقصف القرى بذريعة “الدفاع عن النفس”، دون أن يواجه رداً. إلا أنّ المقاومة، عبر ردودها النوعية الأخيرة، ثبتت معادلة “الردّ بالمثل” في قلب الهدنة.
هذا التحوّل، كما تعترف صحيفة “هآرتس”، جرّد “إسرائيل” من ميزة “المبادرة” وجعل جنودها في وضعية الدفاع السلبي، حيث تحوّل كل تحرك إسرائيلي إلى هدف مشروع للكمائن والصواريخ الموجهة.
ثانياً: تحوّل “المنطقة الامنية” الى مصيدة لمدرعات وجنود العدو…
يظهَر الفشل العملياتي الاسرائيلي جلياً في عجز منظومات التكنولوجيا المتطوّرة عن حماية قوات الاحتلال المتموضعة في العمق( بين 4 و8 كلم). لقد أعاد مشهد تدمير دبابات الميركافا، وصور احتراقها، إلى الذاكرة الإسرائيلية كوابيس حرب 2006، لكن بنسخة أكثر تطوراً وفتكاً.
المحللون العسكريون في “يديعوت أحرونوت” يرون أنّ “المنطقة العازلة” التي أرادتها “إسرائيل” لتأمين مستوطنات الشمال، تحوّلت إلى “منطقة صيد” ومصيدة للمدرعات والجنود الذين باتوا يفتقرون للغطاء الجوي والمدفعي الكثيف الذي كان متاحاً قبل الهدنة.
ثالثاً: مأزق حكومة العدو المزدوج،
على المستوى السياسي، تعيش حكومة العدو برئاسة بنيامين نتنياهو، في ظلّ الهدنة، مأزقاً مزدوجاً؛ فالتصعيد للردّ على مقتل الجنود يعني انهيار الهدنة والعودة إلى حرب شاملة لم تحقق أهدافها بعد أشهر من القتال، والصمت على هذه الضربات يعني القبول بتآكل الردع والاعتراف بأنّ المقاومة هي من يحدّد وتيرة الميدان.
هذا “الشلل” في اتخاذ القرار، الذي ركزت عليه وسائل الإعلام العبرية، يغذي حالة الإحباط داخل صفوف جيش الاحتلال، حيث يشعر الجنود في الميدان أنهم مثل “بط في حقل رماية” لصالح حسابات سياسية غير واضحة.
إنّ عودة المقاومة للردّ بفعالية واستهداف قوات النخبة الصهيونية ودبابات الميركافا في عز أيام الهدنة، تؤكد أنّ بنية المقاومة العسكرية لم تترهّل، بل استوعبت صدمات الحرب وأعادت تموضعها بذكاء… وانها قادرة على التحرك في داخل المناطق التي يتواجد فيها جيش الاحتلال.
في المحصلة، يخرج جيش الاحتلال من الأيام الثلاثة الماضية مثقلاً بجراح ميدانية وسياسية؛ فالوقائع تؤكد أنّ “إسرائيل” التي دخلت الهدنة بحثاً عن مخرج، وجدت نفسها في “فخ استنزاف” أعمق، حيث لم تعد القوة العسكرية الغاشمة قادرة على فرض شروطها، وحيث باتت المقاومة هي من يمتلك الكلمة الأخيرة في رسم ملامح ما بعد الهدنة.