Beirut weather 29.65 ° C
تاريخ النشر April 17, 2026
A A A
توقيت إيراني ومضمون أميركي والصورة لبنانية
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

 

عملياً قامت واشنطن بتلبية شرط إيراني بربط العودة للتفاوض والاستعداد لفتح مضيق هرمز بإعلان وقف إطلاق نار على جبهة لبنان، كما يقول الوقت والتوقيت، حيث لا شيء يفسّر هذا الاهتمام الأميركي والموافقة الإسرائيلية بأي أسباب لبنانية، بعدما قال الوقت والتوقيت مجدداً إن دعوة رئيس الجمهورية جوزف عون للتفاوض المباشر بعد وقف النار لم تلقَ أي اهتمام أميركي أو لفت انتباه إسرائيلي، وقد حدث أن الأميركي والإسرائيلي تذكّرا دعوة لبنانية منسيّة لاستخدام هذه الدعوة كغطاء لقبول وقف النار، وتقديمه ثمرة تقدّم في مسار لبناني إسرائيلي ترعاه أميركا للتفاوض المباشر.

 

ما يؤكد أن الوقت إيراني والتوقيت إيراني، مدة الهدنة المحدّدة بـ 10 أيام، والموضوع المحدّد للهدنة هو التوصل إلى اتفاق سلام، كما يقول الأميركي والإسرائيلي، فهل يعقل أن المدة اللازمة للتوصل إلى هذا الاتفاق هي عشرة أيام؟ بينما للأيام العشرة صلة مباشرة بالهدنة الأميركية الإيرانية التي تنتهي مهلتها الأولى بعد ثلاثة أيام وينتظر تمديدها سبعة أيام، وهي مهلة التفاوض المرتقب في إسلام آباد. وإذا فشل التفاوض وسقطت الهدنة الأميركية الإيرانية تسقط الهدنة اللبنانية الإسرائيلية.

 

على خلفية أن الوقت إيراني والتوقيت إيراني، حدّدت واشنطن وتل أبيب شروط القبول بدفع هذه الأتاوة المدفوعة لصالح إيران، بما يجعلها مجرد امتداد لشروط الشهور الخمسة عشر التي أعقبت اتفاق وقف النار في تشرين الثاني 2024، حيث يبقى الاحتلال في الأراضي اللبنانية ويبقى له حق الملاحقة والاغتيال والاستهداف والقيام بهجمات استباقية وفق ما يملك صلاحية تحديده كتهديد محتمل، لكن هذه المرة في ظروف مختلفة، حيث خرجت المقاومة من تحت عباءة التسليم للسلطة بإدارة حق الدفاع الذي منحه اتفاق 2024 لطرفي الصراع، بينما مارسته “إسرائيل” على هواها، بينما تخلّى عنه لبنان بداعي رفض الخيار العسكري واعتبار التفاوض خياراً استراتيجياً، والواضح هذه المرة أن المقاومة سوف تتعامل مع كل خرق إسرائيلي وفق مفهومها لتحديد الخرق، بالردّ بالنار على النار وبالمثل، عمقاً وزخماً ونوعاً وكماً.

 

معارك الأيام الخمسة والأربعين التي خاضتها المقاومة غيّرت قواعد الاشتباك وأدخلت المقاومة لاعباً قوياً على المشهد، وقد فشل الاحتلال في تنفيذ خطته بالوصول إلى نهر الليطاني، وفشل بالسيطرة على مدينتي الخيام وبنت جبيل، واكتشف قوة نارية لدى المقاومة تثبت أن كل تحليلاته واستخباراته عن حجم قدرة المقاومة كان مخالفاً للواقع، وأن قدرة المقاومة على تهديد أمن منشآت ومستوطنات شمال فلسطين المحتلة تعادل من حيث الأثر السياسي قدرة الاحتلال على استهداف العمق اللبناني، بحيث لا يمكن وقف تهديد المقاومة بمزيد من تهديد العمق اللبناني، بل بالعكس، وقف التهديد يحتاج إلى وقف التهديد؛ وبينما هذا العامل يدفع صانع القرار الإسرائيلي لتغيير نمط تعامله الناري مع الهدنة عن سلوك ما بعد وقف النار في 2024، يدفعه الوضع الداخلي المشكك بقوة الحكومة وجيشها في ضوء معارك الأيام الخمسة والأربعين، والمشكك باستقلاليّة قرار الحكومة وجيشها في ضوء ظهور الطلب الأميركي لوقف النار كأوامر لا تقبل الردّ، بحيث يصبح العبث بوقف النار طريقة إثبات القوة والاستقلال.

 

بالنسبة للمقاومة المعادلات بسيطة، إذا طبق الاحتلال الهدنة بطريقة تحقق التهدئة المطلوبة ستفعل المقاومة المثل، وإن قام بالتلاعب بمضمونها وشروطها ستردّ عليه بما يناسب، وإن تم تمديد الهدنة ستضع المقاومة شروط قبولها للتمديد على الطاولة، ولو من خلال إيران، التي تملك مجدداً الوقت والتوقيت، وإن انتهت الهدنة بعد أيامها العشرة بسبب انهيار مسار التفاوض في إسلام آباد وعودة الحرب، تعود المقاومة إلى حربها، وربما ينضم إليها هذه المرّة اليمن بقوة ربط إغلاق مضيق باب المندب بالحرب على لبنان، وإن تمّ تحقيق تقدّم نوعي في مسار أسلام آباد لن يكون لبنان خارج السياق وفق الضمانات الإيرانية للمقاومة، حيث التطبيق الدقيق لاتفاق 2024 هو الشرط الوحيد لتحقيق الاستقرار، بينما يسابق الأميركي الوقت لانتزاع مكاسب إسرائيلية من لبنان تحت عنوان التطبيع واتفاق السلام، والسعي لتفجير العلاقة بين المقاومة والسلطة، بالضغط على السلطة لتحميلها مسؤوليّة نزع سلاح المقاومة الذي فشلت “إسرائيل” في التغلب عليه.

 

السلطة اللبنانية لها الصورة فقط، صورة التفاوض المباشر التي نالها الإسرائيلي كدفعة أولى لوقف النار أملاً بدفعة دسمة بمصافحة رئاسية في واشنطن وصورة تذكاريّة تضمّ الرئيس اللبناني ورئيس حكومة الاحتلال، بينما لا يزال الاحتلال على أرض لبنانيّة تمّ تهجير سكانها منها ويتمّ منعهم من العودة إليها، وما تملكه السلطة اليوم بعدما منحت الصورة الأولى مجاناً، أن تضع لاءاتها على الطاولة، لا لهدنة مؤقتة ونعم لوقف نار ثابت ودائم ومستقر، ولا لصورة ثانية ونعم لانسحاب الاحتلال وعودة المهجّرين وبدء إعادة الإعمار، لا للتطبيع واتفاق سلام طالما أن لبنان يربط أي اتفاق سلام بالمبادرة العربية للسلام، كما ردّد رئيس الجمهورية مراراً، والانتباه الدائم إلى أن السلم الداخلي خصوصاً بين الجيش والمقاومة هو مصدر قوة تفاوضية إن كان للمنطق من مكان!