Beirut weather 30.77 ° C
تاريخ النشر April 17, 2026
A A A
مشهد العودة… الطرقات شرايين حياة نابضة
الكاتب: موقع المرده

 

“لأَنَّهُ يَعْرِفُ جِبْلَتَنَا. يَذْكُرُ أَنَّنَا تُرَابٌ نَحْنُ.” (مز 103: 14).

الله… من اي تراب جُبل هؤلاء القوم، تراب ارض الصمود الذي شرب من دمائهم حتى الثمالة.

مشهد العودة لا يشبه أي مشهد آخر، هو ليس بالانتقال من مكان إلى آخر، بل هو عبور من الغربة القسرية إلى حضن الأرض الأولى.

فجر اليوم حين بدأ النازحون بالعودة إلى قراهم رغم الدعوات الى التريث لان العدو غدار.

لم تكن الطرقات مسالك، بل شرايين حياة تنبض من جديد.

في البعد السياسي، تختصر هذه العودة معادلات معقدة. فهي ليست فقط نتيجة قرار، بل انعكاس لتوازنات فرضها الصمود الميداني وصبر الناس. كل بيت يُفتح بابه من جديد هو إعلان غير مكتوب بأن محاولات الاقتلاع فشلت، وأن الأرض ما زالت لأهلها. العودة هنا فعل سيادي بامتياز، يوازي في أهميته أي تفاوض أو اتفاق، لأنه يكرّس واقعاً لا يمكن القفز فوقه لان الناس حين تعود، ترسم حدود المعنى الحقيقي للوطن.

لكن السياسة، على قسوتها، تقف عاجزة أمام المشهد الإنساني.

هناك…على ارض الجنوب او في الضاحية او في كل مكان استهدفه العدو الاسرائيلي ستلمس الام جدران منزلها كأنها تتحسس ذاكرة حيّة، رجل سيرفع أنقاضاً بيديه كأنه يعيد ترتيب عمره، طفل سيركض في ساحة تعود على اللعب فيها.

هناك… ستختلط الدموع بالابتسامات، ويصبح للحنين صوت مسموع.

ثمة بيوت مهدمة، وأرزاق ضاعت، وذكريات مثقلة بالخوف. ومع ذلك، يصر العائدون على أن الحياة ممكنة.

وجدانياً، هذا المشهد يختصر حكاية لبنان كلّها. بلدٌ يتعب، ينكسر، لكنه لا ينتهي. يشبه أهله الذين يحملون مفاتيح بيوتهم حتى في أقسى لحظات النزوح، كأنهم على يقينٍ داخلي بأن الغياب مؤقت، وأن للعودة موعداً مهما طال الزمن.

في لحظة العودة، تسقط كل الشعارات الكبيرة، ويبقى الإنسان في مواجهته البسيطة مع أرضه: أن يعيش بكرامة، أن يزرع، أن يفتح نافذته على صباحٍ بلا خوف.

هنا تكمن الحقيقة الأعمق: البلدات لا تُقاس فقط بنسبة الدمار فيها ، بل بقدرة أهلها على الرجوع إليها واعمارها… مرة بعد مرة.