Beirut weather 21.63 ° C
تاريخ النشر April 16, 2026
A A A
إدارة وتوزيع الأرباح والخسائر في الحرب
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

من الطبيعي في حرب بحجم الحرب الدائرة بين التحالف الأميركي الإسرائيلي من جهة وإيران ومحور المقاومة من جهة مقابلة، أن يقدّم كل طرف رواية تظهر تفوقه في مسار الحرب، ولو بالنقاط، بحيث لا يمكن تبنّي وجهة نظر علمية حول مَن يملك زمام المبادرة، ومَن يملك اليد العليا في الحرب، إلا بوضع معايير قابلة للفحص وتطبيقها على الفريقين. وفي مثل هذه الحروب التي لم ينجح خلالها صاحب الحرب الأميركي الإسرائيلي باعتباره المبادر إلى شنّ الحرب بإلحاق هزيمة ساحقة بالمستهدَف من الحرب وهو إيران. يصح اعتبار هذا الفشل نقطة انطلاق لترصيد النقاط لصالح إيران، التي نجحت بالنجاة من السقوط بالضربة القاضية وحوّلت الحرب إلى معادلة الربح بالنقاط.

 

– لا يُعتبر إلحاق خسائر ضخمة بالاقتصاد الإيراني أو بالمواقع والقيادات العسكرية والسياسية، قاعدة قياس معادلة الربح بالنقاط إلا عندما يؤدي إلى إظهار الضعف في سلم المواقف بالنسبة لتأثير الخسائر، أو الارتباك في منظومة القيادة والسيطرة بالنسبة لاستهداف المواقع والقيادات. وقد أظهرت إيران قدرة على التأقلم مع الخسائر الاقتصادية وفقدان القادة، فلم ترتبك ولم تتراجع عن سلّم أولويّاتها أو خطوطها الحمراء، بينما وجدت واشنطن وتل أبيب ضرورة إعادة تصنيع أهداف بديلة لهدف الحرب القائم على إسقاط النظام، وعندما يتمّ تصنيع هدف بديل لهدف الحرب الأصلي في قلب الحرب بسبب الفشل في تحقيق الهدف الأصلي، فهذا يتسبّب بارتباك أكيد ويظهر ضعفاً بالتراجع عن سقف أعلى لصالح سقف أدنى.

 

– تسبب إظهار إيران قدرة سريعة على الردّ على الحرب بعد بدئها بساعتين، والمفاجأة بحجم الضراوة في مهاجمة القواعد والمصالح الأميركية في الخليج، وبسرعة تفعيل استخدام مضيق هرمز كعنصر ضغط على الاقتصاد العالمي، بمنح إيران فرصة الظهور بصاحب المبادرة واليد العليا، بينما ظهرت أميركا و”إسرائيل” وهما تعتمدان نمطاً ثابتاً في خوض الحرب، لعل محاصرة الموانئ الإيرانية أميركياً شكل الاستثناء الوحيد عنه، ونجح بتحقيق نوع من التوازن النسبي مع السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، طالما أن إيران من خلال حليفها في اليمن لم تبادر بعد إلى تفعيل الضغط عبر مضيق باب المندب.

 

– على خلفيّة هذا المشهد يمكن قياس مواقع القوة من خلال معيارين، الأول جدول الأعمال التفاوضي، والثاني إدارة وتوزيع الأرباح والخسائر، وبالنظر إلى جدول الأعمال التفاوضي نلاحظ أمرين، الأول أن إيران تسعى عبر التفاوض إلى الحصول على الشرعيّة للمكاسب التي حققتها فعلياً، وهي سيادتها على مضيق هرمز والانتقال من الموقع الدفاعي الرافض لمناقشة علاقاتها مع حلفائها في محور المقاومة إلى الموقع الهجوميّ بإدماج مصالح هؤلاء الحلفاء في التفاوض، كما يقول الإصرار الإيراني على وقف إطلاق النار في لبنان، بينما تسعى واشنطن عبر التفاوض إلى تحقيق ما عجزت عن تحقيقه عبر القوة مثل التخلّص من البرنامج النووي الإيراني، واسترداد كميّات اليورانيوم المخصّب على نسب مرتفعة، أو التخلص من البرنامج الصاروخي، رغم الكلام الكثير عن تدمير البرنامجين، ويظهر بوضوح عبر النظر إلى جدول الأعمال التفاوضي. ثانياً أن إيران تفاوض على بنود جديدة لم تكن مطروحة سابقاً تعبّر عن تحسّن وضعها مثل هرمز ودور قوى المقاومة، فيما تفاوض أميركا على البنود السابقة التي أدّى الفشل بتحقيقها إلى التمهيد لقبول العودة للتفاوض بعدما كانت الحرب تعبيراً عن الرهان على القدرة على الحسم دون الحاجة للتفاوض، ما يدلّ على التراجع.

 

– في إدارة وتوزيع الأرباح والخسائر، يسهل التعرّف على كيف أن إيران تتصرّف كرابح يقوم بإدارة وتوزيع الأرباح من خلال ضمّ المشهد اللبناني إلى جدول أعمال المفاوضات، حيث ينال حليف إيران حزب الله بعضاً من زخم القوة الإيرانية للحصول على بعض أرباح الحرب عبر فرض وقف إطلاق النار على “إسرائيل”، بينما يظهر أن ليس لدى أميركا إلا الخسائر تديرها وتقوم بتوزيعها، وها هو حلف الناتو بقواه الكبرى يهرب من تلبية دعوات الشراكة في الحرب لأنه يراها حرباً خاسرة لا يريد أن يتحمل بعض خسائرها، بينما تتحمّل دول الخليج بسبب تحالفها مع أميركا خسائر اقتصادية وسياسية وعسكرية هائلة، وها هي “إسرائيل” التي تضطر لمناقشة وقف إطلاق النار بمرارة تنال سهماً من الخسائر، بينما السلطة اللبنانية التي يؤتى بها إلى منح “إسرائيل” صورة المفاوضات المباشرة تعويضاً عن بعض خسائرها، تنضمّ إلى مَن يسدّد بعضاً من فواتير الخسائر الناجمة عن الحرب، رغم كل الخطاب الإعلامي عن مظلوميّة استعادة قرار الحرب والسلم والتفاوض.