Beirut weather 11.88 ° C
تاريخ النشر March 6, 2026
A A A
لبنان يواجه أخطر السيناريوهات في تاريخ الصراع مع إسرائيل!!..
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في سفير الشمال 

 

يشهد لبنان تصعيداً خطيراً في الاعتداءات الإسرائيلية، حيث وسّع العدو الصهيوني نطاق قصفه ليطال عدداً كبيراً من البلدات والقرى الجنوبية والبقاعية، قبل أن يصل التصعيد إلى الضاحية الجنوبية لبيروت في خطوة تُعد من أخطر التطورات الميدانية في تاريخ الصراع اللبناني الإسرائيلي.

 

شكّل إنذار جيش العدو الإسرائيلي لأهالي وسكان الضاحية بإخلاء مناطق واسعة تمتد من حارة حريك إلى الغبيري فالحدث التطور الأبرز، إذ دعا الأهالي إلى مغادرة منازلهم خلال ساعات محددة تحت التهديد بالقصف.

 

 

 

 

والمثير في هذا الإنذار أن العدو حدّد للأهالي مسارين فقط للخروج: الأول باتجاه جبل لبنان والثاني باتجاه بيروت، محذّراً من سلوك أي طريق نحو الجنوب تحت طائلة الاستهداف. وهو ما يكشف بوضوح محاولة مدروسة لإبعاد سكان الضاحية عن بيئتهم الطبيعية ومنعهم من اللجوء إلى مناطقهم الأصلية، بما يضمن توجيه حركة النزوح نحو مناطق محددة، حيث المدارس ومراكز الإيواء، في مشهد يعكس بعداً إضافياً من أبعاد الحرب النفسية والضغط الاجتماعي على المقاومة وبيئتها.

 

 

 

ورغم قساوة المشهد، خرج أهالي الضاحية حاملين معهم قلقهم على منازلهم وأرزاقهم وذكرياتهم، لكنهم في الوقت نفسه تمسكوا بعزيمة اعتادوا عليها في محطات سابقة، حيث بدا واضحاً أن شعور الانتماء إلى خيار المقاومة ما زال يشكّل جزءاً من وعي هذه البيئة التي نشأت وترعرعت في ظل هذا النهج ولم يسبق لها أن رفعت الراية البيضاء.

 

 

 

وبعد نحو تسع ساعات من الإنذار، بدأ جيش العدو الإسرائيلي تنفيذ تهديداته، فشنّ سلسلة غارات مكثفة على الضاحية التي كانت قد أُفرغت من سكانها، وبرّر العدو هذه الغارات بأنها تستهدف بنى تحتية عسكرية تابعة لحزب الله، إلا أن حجم الدمار الذي لحق بالمباني السكنية والمدنية أثار الكثير من علامات الاستفهام، إذ لم تظهر أية مؤشرات تدل على وجود منشآت عسكرية أو مخازن أسلحة في الأبنية المستهدفة.

 

 

ويأتي ذلك، في ظل تصريحات لمسؤولين إسرائيليين هددوا بتدمير الضاحية وتحويلها إلى ركام، تماما كما “فعلوا في خان يونس في فلسطين المحتلة” بحسب وزير المالية المتطرف سموتريتش.

 

في المقابل، واصلت المقاومة الإسلامية عملياتها العسكرية على الجبهة الجنوبية، حيث شهدت خطوط التماس اشتباكات عنيفة وصلت إلى حدود المسافة صفر، ما دفع القوات الإسرائيلية إلى التراجع من بعض المواقع الأمامية.

 

وقد أصدرت المقاومة عدداً كبيرا من البيانات التي عرضت فيها تفاصيل العمليات التي استهدفت مواقع ومنشآت عسكرية في شمال فلسطين المحتلة، في محاولة لإظهار استمرار قدرتها على الرد وأنها ما تزال تمتلك القيادة والسيطرة وزمام المبادرة رغم شدة الضغوط العسكرية.

 

سياسياً، لم ترتق تحركات المسؤولين اللبنانيين إلى مستوى خطورة التطورات، واقتصرت في معظمها على اتصالات دبلوماسية ووعود دولية ببذل الجهود لاحتواء التصعيد.

 

وفي خضم هذا المشهد، أثار موقف رئيس الحكومة نواف سلام جدلاً واسعاً بعدما بدا وكأنه ينقل الصراع إلى الداخل اللبناني، حيث ردّ بعد ترؤسه جلسة لمجلس الوزراء في السراي الحكومي على الأمين العام لحزب الله من دون تسميته، ثم خرج بقرار يطلب فيه من الأجهزة الأمنية البحث عن عناصر يُشتبه بانتمائهم إلى “الحرس الثوري الإيراني” داخل لبنان، والعمل على ترحيل أي شخص يتم العثور عليه فوراً إلى بلاده.

 

 

 

 

هذا القرار طرح تساؤلات عدة حول أولويات الحكومة، ففي لحظة يتعرض فيها لبنان لقصف واسع وتهديدات مفتوحة، وبينما يعيش الجنوب والبقاع والضاحية تحت حزام من النار الإسرائيلية، بدت الحكومة وكأنها تتجه نحو معركة داخلية سياسية وأمنية بدلاً من التركيز على مواجهة العدوان الاسرائيلي وتأجيل رمي المسؤوليات بدل إستخدامها كشماعة لتعليق الفشل الحكومي عليها.

 

ويزداد هذا الجدل مع مزيد من تفاعل قرارات الحكومة في جلستها الماضية، لجهة عدم إشراك الجيش اللبناني في أي مواجهة مع العدو الإسرائيلي، والإصرار على تكليفه في الوقت نفسه بالإسراع في تنفيذ خطة حصر السلاح شمال الليطاني، وبملاحقة من يقاوم الاحتلال ومصادرة أسلحتهم وإحالتهم إلى القضاء.

 

علما أن الجيش إنسحب من النقاط التي إنتشر فيها جنوب الليطاني، ما أهدر سنة كاملة من عمر الحكومة أهملت فيها كل الملفات الاجتماعية والحياتية وركزت على خطة حصرية السلاح في جنوب الليطاني والتي تهاوت مع أول مواجهة للمقاومة مع العدو الصهيوني.

 

 

 

 

هذا التباين الحاصل بين واقع الجبهات المفتوحة وبين مقاربة السلطة السياسية، يفتح الباب أمام تساؤلات كثيرة أبرزها: كيف ستتعامل الحكومة مع سعي العدو إلى فرض واقع ميداني جديد وصولا إلى إقامة المنطقة العازلة التي تعزل أكثر من 15 قرية لبنانية عن خارطة الوطن؟، وهل سوف تسلم بالأمر الواقع مع تحييد الجيش وحظر المقاومة لتسجل سابقة في تاريخ الحكومات؟، وكيف يمكن تفسير هذا التناقض بين جبهة مشتعلة تقاتل فيها المقاومة وجبهة سياسية داخلية منشغلة بصراعات مختلفة؟.

 

إلا أن السؤال الأهم هو: هل يمتلك لبنان اليوم رؤية وطنية موحدة لمواجهة هذه المرحلة الخطيرة، أم أن الانقسام الداخلي سيبقى الثغرة التي ينفذ منها العدو الاسرائيلي لتحقيق أهدافه؟.