Beirut weather 12.43 ° C
تاريخ النشر February 28, 2026
A A A
خصوم ترامب يتسلّحون بقرار «العليا» | الرئيس لا يستسلم: حملة جمركية… بحلّة جديدة!
الكاتب: ريم هاني

كتبت ريم هاني في “الأخبار”

بالنسبة إلى كبرى الموانئ الأميركية، كانت ولاية دونالد ترامب الثانية، حتى اللحظة، أشبه بكابوس لا متناهٍ. إذ إن عشرات الآلاف من الموظفين باتوا مجهولي المصير، في حين يُسجَّل ازدحام غير مسبوق لاستباق أيّ تعرفات «قادمة» حيناً، وهدوء غير معهود حيناً آخر بسبب وقف استيراد البضائع. وإلى ما تقدّم، أضيف أخيراً «التخبّط» في محاولة معرفة أين قد «ترسو» التعرفات التي يتمسّك ساكن البيت الأبيض بفرضها على دول العالم كافة، بعدما قضت المحكمة العليا في الـ20 من الجاري بأن الرئيس تجاوز سلطاته عندما استخدم «قانون القوى الاقتصادية الطارئة الدولية» (IEEPA) لفرض تعريفات على شركاء بلاده التجاريين، ممّا يجعل هذه الأخيرة، بما فيها تلك المفروضة على الصين والمكسيك وكندا، «باطلة قانونياً».

ولم تتأخّر كبرى الشركات، عقب صدور القرار المشار إليه، في البدء بالمطالبة باسترداد نحو 175 مليار دولار حصّلتها الحكومة بموجب التعرفات، لا بل بادر عدد منها، بما فيها «دايسون» و«فيديكس» و«لوريال»، إلى رفع سلسلة مبكرة من الدعاوى القضائية بحثاً عن تعويضات ضخمة، إلا أن إدارة ترامب قابلت تلك المطالبات بموقف رافض وحتى ساخر، وهو ما يمهّد، غالباً، لمعركة قانونية غير مسبوقة تاريخياً بين الطرفين.

 

وفي حين تمّ تقديم ما يقرب من 900 دعوى لاستعادة الأموال، وفقاً لـ«مركز ليبرتي للعدالة»، وهي مجموعة قانونية مثّلت بعض الشركات الصغيرة في الدعوى القضائية، رفض ترامب، بطبيعة الحال، فكرة «التعويض»، مستغلاً واقع أن التوصّل إلى حل قضائي في هذا الشأن قد يستغرق «خمس سنوات على الأقلّ»، على حدّ تعبيره، وأن طلبات الاسترداد لا يمكن أن تبدأ، حتى، قبل «شهر على الأقلّ»، بحسب ما ذهب إليه سكوت بيسنت، وزير الخزانة.

ومع دخول البلاد في عام الانتخابات النصفية، استغلّ الديموقراطيون، من جهتهم، قرار المحكمة بحق ترامب لتحويل التعرفات إلى قضية «معيشية»، مطالبين الحكومة الفيدرالية بدفع تعويضات للأسر مقابل ما يقرب من 130 مليار جنيه إسترليني من رسوم الاستيراد التي جمعتها الإدارة الأميركية. وفي هذا الإطار، نشرت السيناتور إليزابيث وارن (ديمقراطية، ماساتشوستس) على موقع «أكس»، السبت، منشوراً جاء فيه: «لقد سرق دونالد ترامب أموالكم برسومه الجمركية غير القانونية، ودفعتم أسعاراً أعلى على كلّ شيء بدءاً من الإسكان وحتى البقالة. حان الوقت لأن يدفع ترامب لكم ويعيد أموالكم». كذلك، أعلن الديموقراطيون في مجلس الشيوخ، الإثنين، عن تشريع يطلب استرداد كامل المبالغ مع الفائدة.

 

وفي محاولة لحشد دعم الناخبين أيضاً، دعا بعض الديمقراطيين إلى ردّ الأموال بشكل مباشر إلى الأسر الأميركية لتعويض المستهلكين عن التكاليف المرتفعة، فيما يسعى بعضهم إلى جعل هذه القضية جزءاً من برامجهم الانتخابية. وفي السياق، كتب شيرود براون، عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي السابق عن ولاية أوهايو والذي ينوي الترشح في الانتخابات القادمة: «أنا أطالب باسترداد 1336 دولاراً لكلٍ أسرة في أوهايو»، فيما توجّه حاكم ولاية كاليفورنيا، جافين نيوسوم، الذي يستعد لخوض انتخابات رئاسية محتملة في عام 2028، إلى الأميركيين قائلاً: «لقد فرض دونالد ترامب ضرائب غير قانونية على مشترياتك وأثاثك وسياراتك لأكثر من عام. حان الوقت لاسترداد الأموال». كما نشر حاكم ولاية إلينوي، جيه بي بريتزكر، وهو أيضاً مرشح محتمل للانتخابات التمهيدية الرئاسية للحزب الديمقراطي لعام 2028، من جهته، على وسائل التواصل الاجتماعي رسالة كان قد بعث بها إلى ترامب يطالبه فيها بدفع 8.7 مليارات دولار، أو 1700 دولار لكلّ أسرة في إلينوي.

 

بموجب التعرفات الجديدة، فإنّ الخاسرين الجدد، هم «حلفاء الأمس»

 

 

المفارقة أن ترامب كان قد عيّن، بنفسه، ثلاثة من القضاة التسعة الحاليين خلال ولايته الأولى، مغيّراً بذلك وجه المحكمة التي بدا أنها ستكون أكثر ميلاً، لجيل كامل، إلى اليمين السياسي. ورغم «الانتصارات» التي أتاحت «العليا» لترامب تحقيقها مذّاك، إلا أنّها قضت، أخيراً، بغالبية 6 أصوات مقابل 3 بأن ترامب لا يمكنه استخدام قانون «الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية»، بعدما انضمّ اثنان من القضاة الذين عيّنهم، وهما إيمي كوني باريت ونيل جورسوتش، إلى الغالبية المؤيدة لهذا القرار. وعقب تلك الخطوة، اضطر القضاة إلى تلقف جملة من الإهانات والاتهامات التي أطلقها الرئيس الأميركي في حقهم، والتي شملت «التأثر بالمصالح الأجنبية، والحمقى وكلاب الديموقراطيين اليساريين، وغير الوطنيين وغير المخلصين لدستورنا، والعار على الأمة».

على أن هذه «الانتكاسة»، لم تقنع ترامب، على ما يبدو، بالتراجع عن سياساته الفوضوية؛ فبعد ساعات فقط من قرار المحكمة، خرج إلى العالم بقانون مختلف تماماً، وهو المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، فرض بموجبه، الثلاثاء، تعرفات بنسبة 10% على دول العالم كافة، صالحة لمدة 150 يوماً، ما لم يوافق الكونغرس على تمديدها، وهو ما لن يحصل على الأرجح، على خلفية الانقسام الحادّ داخل المؤسسة التشريعة. وفي وقت لاحق، هدّد ترامب، في منشور عبر التواصل الاجتماعي، برفع التعرفات إلى 15%، بشكل «فوري»، إنما من دون إصدار مرسوم رسمي في هذا الصدد، ما خلق حالة إرباك واسعة النطاق، قبل أن يتمّ اعتماد نسبة الـ10% بشكل رسمي. وعلى خلفية ذلك التخبط، قدّمت الشركات مواعيد استيرادها (Front-loading) لتجنب عدم اليقين الناتج من قرارات ترامب المتلاحقة، مما خلق، مرة جديدة، حالة من عدم الاستقرار في تدفق الحاويات إلى الموانئ.

 

على أن اللافت، أنه بموجب التعرفات الجديدة، فإن الخاسرين الجدد هم «حلفاء الأمس»، من مثل المملكة المتحدة وسنغافورة التي كانت تدفع رسوماً منخفضة جداً بموجب الاتفاقيات السابقة. أمّا الرابحون، فهم المنافسون الشرسون للولايات المتحدة، من مثل الصين والهند والبرازيل التي كانت تواجه تعرفات «انتقامية» قاسية جداً (وصلت إلى 20-30%)، والآن ستستفيد من «السقف» الجديد، الذي يصل، كحدّ أقصى، إلى 15%، مما يعني، عملياً، أن البضائع التي تصدّرها تلك الدول هي الآن أرخص ممّا كانت عليه منذ أسبوع.

وحالياً، يرجح مراقبون أن الرئيس غير القابل لـ«التنبؤ»، قد يستغل فترة الـ150 يوماً لتكثيف ضغوطاته على الدول التي يريد تنازلات منها، أو لإجراء تحقيقات بموجب «المادة 301» التي تسمح بفرض رسوم دائمة لا يمكن للكونغرس إلغاؤها، فيما قد تختار بعض الدول المشار إليها «الانتظار» حتى انتهاء مهلة العقوبات، وذلك لمعرفة ما إذا كان ترامب سينجح في إيجاد «مخرج قانوني جديد» لسياساته الجمركية.

في المقابل، وإذ من المتوقع أن يستمرّ المستهلك الأميركي في دفع المزيد من الأثمان، ولا سيما أن بعض الشركات قررت، بالفعل، تسعير بضائعها بناءً على توقّعات بأن يرفع ترامب التعرفات من 10 إلى 15% قريباً، قد يخسر الرئيس المزيد من الدعم الشعبي قبل الانتخابات المقبلة، وذلك في خضمّ تململ المواطنين من الوضع الاقتصادي المتردي في البلاد.