Beirut weather 23 ° C
تاريخ النشر October 28, 2026
A A A
وزارة الصحة تعيد ترتيب أولوياتها: زرع الأعضاء لخفض فاتورة الاستشفاء

كتبت راجانا حمية:

تتجه وزارة الصحة إلى اعتماد مقاربة جديدة في موازنتها، تقوم على معالجة الملفات الصحية من جذورها، بدلاً من الاكتفاء بزيادة الإنفاق عليها. وتشمل هذه المقاربة ثلاثة محاور أساسية: خفض فاتورة الدواء وتوسيع قاعدة المستفيدين منه، وتعزيز الرعاية الصحية الأولية، و«تسكير» ملف الأمراض التي يمكن علاجها بإجراء طبي واحد، كعمليات زرع الكلى والكبد والقلب، لتقليص الاعتماد على علاجات طويلة الأمد.
ثلاثة عناوين تختصر ما تسميه وزارة الصحة اليوم مسار «القرارات الاستراتيجية»، وتعكس إلى حدّ بعيد العقلية التي صاغت على أساسها بنود موازنتها. فبدلاً من رفع سقف المطالب لتأمين التمويل الكافي لمواجهة الحاجات المتزايدة، ولا سيما في بند الاستشفاء، اختارت الوزارة إعادة ترتيب الأولويات، والذهاب «من الآخر»: معالجة الملفات التي يمكن حسمها نهائياً، بدلاً من الاستمرار في تمويل أعبائها عاماً بعد عام.

وفي هذا الإطار، تعمل الوزارة على إعادة تفعيل الهيئة الوطنية لوهب وزرع الأعضاء والأنسجة البشرية، وإدراج مخصصات لها في موازنة العام المقبل، تُقدّر بنحو 300 ألف دولار، لتغطية النفقات اللوجستية والإدارية والتنظيمية. ويُفترض أن يترافق ذلك مع إعداد المراسيم التنظيمية والتطبيقية اللازمة لتنظيم القطاع، تحت إشراف الوزارة، وهي مسألة بدأ البحث فيها خلال اجتماع عقدته اللجنة المعنية قبل نحو أسبوع.

وبحسب مدير العناية الطبية في الوزارة، الدكتور برنار غانم، فإن تنظيم القطاع هو الخطوة الأولى، لكن تفعيله يتطلب أيضاً وضع خارطة طريق تحدد الإجراءات الطبية المطلوبة وكلفة كل منها ورمزها المعتمد، تمهيداً لتوسيع التغطية وإقفال ملفات علاجية يمكن حسمها بإجراء طبي واحد. وكانت الوزارة قد بدأت هذا المسار قبل نحو عام، عبر تأمين تغطية كاملة لمرضى الكلى، وتسعى إلى توسيعه ليشمل عمليات زرع أعضاء أخرى.
تأتي هذه الخطوات في وقت يواجه فيه قطاع وهب وزرع الأعضاء فجوة متزايدة بين عدد المرضى المحتاجين إلى عمليات الزرع وعدد الواهبين المتاحين. وتشير المنسقة الوطنية في الهيئة، الدكتورة فريدة يونان، إلى أن الأزمات المتلاحقة عمّقت هذه الفجوة، بعدما تراجعت أعداد الواهبين من نحو 19 سنوياً قبل عام 2020 إلى ما بين واهبَين وأربعة سنوياً في السنوات اللاحقة. وفي المقابل، ينتظر نحو 750 مريضاً فرصة إجراء عملية زرع.

وزادت الأمورَ سوءاً «هجرةُ أعداد كبيرة من الكوادر الطبية والتمريضية المتخصصة التي كانت تعمل مع الهيئة الوطنية لمتابعة حالات الوهب في المستشفيات». كذلك، توقفت مستشفيات عدة عن الإبلاغ عن حالات الوفاة الدماغية، التي يمكن الاستفادة منها في وهب الأعضاء، بسبب الأعباء المالية المترتبة على إبقاء المتوفى دماغياً تحت رعاية خاصة في العناية المركزة، من دون وجود جهة تغطي هذه الكلفة.
كل ذلك انعكس سلباً على عمليات الزرع، خصوصاً أن الواهب الواحد يستطيع إنقاذ حياة ثلاثة إلى أربعة مرضى. ومن هنا، تسعى الوزارة إلى إعادة وصل حلقات المنظومة ضمن آلية واحدة، تبدأ بالتبليغ عن حالات الوفاة الدماغية، مروراً بمتابعة الحالة طبياً، وصولاً إلى تغطية كلفة الرعاية اللازمة للحفاظ على الأعضاء قبل نقلها إلى المرضى المحتاجين.

وبحسب غانم، فإن إعادة تفعيل الهيئة تحت إشراف الوزارة تهدف إلى تنظيم هذه العملية وضمان التنسيق بين المستشفيات والجهات المعنية، بما يحدّ من الخلل الذي أصاب القطاع خلال السنوات الماضية. وكان وزير الصحة قد شدّد، خلال الاجتماع الأول للهيئة، على أهمية التبليغ عن حالات الوفاة الدماغية، باعتباره خطوة أساسية لإنقاذ حياة المرضى الذين ينتظرون عمليات الزرع.
إلى جانب البعد الإنساني، تراهن الوزارة على توسيع عمليات الزرع لخفض كلفة الاستشفاء على المدى الطويل، ولا سيما في حالة مرضى الكلى الذين يشكّلون، بحسب المعطيات الواردة، نحو 80% من المرضى المحتاجين إلى عمليات زرع أعضاء.

وتبرز الفجوة بوضوح عند مقارنة كلفة زرع الكلى بكلفة غسيل الكلى المستمر. فعملية الزرع تُقدّر بنحو 17 ألف دولار تُدفع لمرة واحدة، في حين تتراوح كلفة الغسيل السنوية بين 12 ألف دولار و14 ألفاً للمريض الواحد. ويوضح غانم أن الوزارة تدفع نحو 80 دولاراً عن كل جلسة غسيل، فيما يحتاج المريض إلى نحو 13 جلسة شهرياً في المتوسط، وقد يرتفع العدد إلى 15 جلسة أو أكثر. وهذا يعني أن كلفة الغسيل قد تقترب من كلفة الزرع خلال فترة قصيرة نسبياً، فيما يفرض العلاج المستمر أعباء مالية متكررة على المريض والوزارة.