Beirut weather 21 ° C
تاريخ النشر October 28, 2026
A A A
هذا ما ورد في افتتاحية “البناء”
الكاتب: البناء

لن تعرف «إسرائيل» بسهولة شخصية تجمع ما جمعه بنيامين نتنياهو: أطول مدة في رئاسة حكومتها، وحروباً امتدت من غزة إلى لبنان وسورية وإيران، وتحالفاً مع أكثر قواها تطرفاً، فيما بلغ عنف المستوطنين والعزلة الدولية مستويات وضعت مستقبلها أمام أسئلة غير مسبوقة. ولذلك، فإن فقدان أكثريته، إذا ثبّت الفرز مؤشرات استطلاعات الخروج، يتجاوز خسارة ائتلاف إلى تصدّع الزعامة التي أدارت هذه المرحلة وصاغت صورتها. لكن سقوط الأكثرية لا يعني تسليم السلطة، وهنا تبدأ المعركة التالية.

أظهرت عينات الناخبين التي بثتها القناة 12 حصول معسكر نتنياهو على خمسين مقعداً، مقابل اثنين وخمسين لمعسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، وثمانية عشر للقائمتين العربيتين. وهي الصورة نفسها التي انتهى إليها استطلاع هيئة البث «كان» بعد تحديثه، بينما منحت القناة 13 المعارضة ثلاثة وخمسين مقعداً، مقابل خمسين لنتنياهو وسبعة عشر للعرب. وبقي الليكود الحزب الأكبر، من دون أن يستطيع تحويل تصدّره إلى أكثرية ائتلافية. وهذه مؤشرات استطلاعات خروج، يُنتظر تثبيتها أو تعديلها بالفرز الفعلي.

الميزة الأهم لهذه الانتخابات هي الصوت العربي. فقد خرج من موقع الكتلة التي يجري تخويف الناخب اليهودي منها إلى موقع القوة التي يتوقف عليها الانتقال من إسقاط أكثرية نتنياهو إلى تشكيل بديل. وتقدّم التصويت العقابي على النقاش التقليدي حول جدوى المشاركة، مع حضور هدف التخلص من حكومة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش. وفي تقرير ميداني للصحافية سو سوركس، ربطت «تايمز أوف إسرائيل» المشاركة المرتفعة في البلدات العربية بالغضب من سياسات بن غفير، تحت عنوان يشير إلى أنه وحّد المواطنين العرب ضده.

تكمن المفارقة في أن المعارضة تحتاج إلى الأصوات العربية التي يرفض معظم قادتها تحويلها إلى شراكة حكومية. ويطرح ذلك الخيار الأول: حكومة أقلية تساندها القوائم العربية من خارجها، بموجب تفاهمات محددة، تمنع استمرار نتنياهو وحلفائه وتترك للأحزاب العربية حرية مواجهة سياسات الحكومة الجديدة. لكن رفض أفيغدور ليبرمان الاعتماد على دعم عربي، حتى لترتيب انتقالي، يجعل هذا المسار اختباراً لوحدة المعارضة، وقدرتها على تقديم هدف إبعاد نتنياهو على حساباتها الأيديولوجية والانتخابية.

أما الخيار الثاني فهو حكومة الوحدة، التي تجد من يدفع نحوها في دوائر قريبة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ونقلت «جيروزاليم بوست» نقاشات بشأن حكومة واسعة تستبعد بن غفير وسموتريتش، وربما تقوم على تناوب يبدأ بنتنياهو. ويتقاطع ذلك مع دعوة الرئيس إسحاق هرتسوغ إلى حكومة مستقرة وتجنب انتخابات جديدة. غير أن تحويل هذا التقاطع إلى اتفاق يواجه تعهد آيزنكوت رفض الجلوس مع نتنياهو، حتى بصيغة التناوب، فيما لم تعلن واشنطن تبنّي مشروع رسمي ملزم لحكومة الوحدة.

ويبقى الخيار الثالث إعادة الانتخابات بعد شهور من التعثر. وهنا يظهر سؤال المرحلة الانتقالية: هل يقبل نتنياهو وحلفاؤه بموازين الصناديق، أم ينتقلون من التشكيك إلى التعبئة في الشارع ومحاولة تعطيل ترجمتها؟ سبق أن اتهم آيزنكوت نتنياهو بتهيئة الأرضية للطعن في نزاهة الانتخابات، على خلفية اتهامات التزوير وطلب تمديد التصويت. لكن الانتقال من هذا الخطاب إلى عصيان منظم يبقى احتمالاً سياسياً، لا واقعة ثبت وقوعها.

في المقابل، قد تنشأ صيغة تساكن متوتر: نتنياهو في رئاسة حكومة تصريف الأعمال، وخصومه يسيطرون، بالتعاون مع العرب، على الأكثرية البرلمانية. ولن تعني الحكومة الانتقالية فقدان صلاحياتها الأمنية تلقائياً، لكنها ستواجه عبئاً أشد في تبرير القرارات الكبرى، خصوصاً حرباً يمكن الاشتباه في استخدامها لإنقاذ مستقبل رئيسها السياسي. ويصبح موقف الجيش والمؤسسات والقضاء، إلى جانب القرار الأميركي، عاملاً حاسماً في منع تحويل الانتظار الحكومي إلى تفويض مفتوح للمغامرة.

أما الكنيست، فقد يتحوّل إلى مركز الهجوم على إرث نتنياهو. وكشفت موران أزولاي في «واينت» عن تحضيرات المعارضة للسيطرة على لجنة الترتيبات، واستبدال رئيس الكنيست، ثم إلغاء أو تأخير تشريعات تخص القضاء والمستشارة القضائية والتحقيق مع الشرطة. وتؤكد هذه التحضيرات أن امتلاك أكثرية لإدارة البرلمان قد يسبق القدرة على تشكيل حكومة، مع بقاء التنفيذ رهناً بتماسك النواب وتصويتهم.

ويتقدّم ضمن هذه المواجهة «قانون المتهم»، الذي أعلن ليبرمان عزمه تمريره لمنع متهمين جنائياً من تولي رئاسة الحكومة. والمقصود هنا، وفق الصيغة المنشورة، منع تولي المنصب، وليس منع كل ملاحَق قضائياً من الترشح للكنيست. وقد يواجه التشريع طعوناً تتعلق بصيغته وتوقيت تطبيقه. وهكذا يدخل نتنياهو مرحلة قد يحتفظ خلالها بمكتبه، بينما يخسر القدرة على التحكم بالتشريع وجدول الأعمال: ملك فقد أكثريته، ويقاتل لمنع تحوّل خسارتها إلى نهاية حكمه.

اتجهت الأنظار إلى «إسرائيل»، حيث لا تقتصر أهمية الانتخابات على تحديد موازين القوى داخلها، بل تمتد إلى ما قد تحمله نتائجها من تداعيات على مسار المواجهة في الشرق الأوسط، ولا سيّما على الجبهة اللبنانيّة. وفي لبنان، يسود ترقّب حذر لما بعد الاقتراع، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، من عمليات النسف والتفجير في حولا والخيام ومحيط ميس الجبل، إلى إحراق المنازل والقصف المدفعي في وادي شبعا، فالمشهد الميداني يؤكد أن الاستحقاق الانتخابي، مهما كانت نتائجه، يجري على وقع تصعيد لم تتضح بعد حدوده أو اتجاهاته المقبلة.

لكن المخاوف لا تتصل بالوضع الميداني وحده، بل تمتد إلى طبيعة الضغوط الأميركية والإسرائيلية على لبنان، وما قد تفرضه المرحلة المقبلة من استحقاقات سياسية وأمنية. وفي هذا السياق، يعود الجدل حول الإطار الثلاثي مع “إسرائيل” وحدود التشاور الداخلي بشأنه، بعدما أكد الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، في حديث إلى صحيفة «لوريان لو جور»، أنه لم يُستشر أحد في لبنان قبل توقيعه، لا مجلس النواب ولا مجلس الوزراء، معتبرًا أن ذلك يمنحه الحق في إبداء رأيه، حيث وضع هذا الموقف مسألة التشاور مع المؤسسات الدستورية في صلب النقاش حول القرارات المرتبطة بمستقبل لبنان وأمنه.

في المقابل، صعّد عضو لجنة الشؤون الخارجية النائب علي عمار لهجته في الردّ على تصريح للمتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، متهمًا الإدارة الأميركية بالتدخل في مختلف مفاصل الحياة اللبنانية، وباستهداف الشخصيات التي تعبّر عن مواقف تنطلق من اعتبارات وطنية. واعتبر أن هذا التدخل تجاوز حدود المواقف السياسية إلى شؤون القضاء واللقاءات التي تجريها السفارة الأميركية في عوكر مع مسؤولين رسميين وإعلاميين، محذرًا من انعكاساته على السيادة والقرار الوطني. ودعا السلطة اللبنانية إلى اتخاذ موقف حازم يضع حدًا لهذه التدخلات، مؤكدًا أن لبنان ليس محمية أميركية وأن اللبنانيين هم أصحاب القرار في إدارة شؤونهم الداخلية.

وأكد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، خلال استقباله وزيرة الخارجية والدفاع الإيرلندية هيلين ماكنتي في قصر بعبدا، رغبة لبنان في تمديد مهمة القوات الدولية العاملة في الجنوب «اليونيفيل» خلال السنة المقبلة المحددة لانسحابها بموجب قرار مجلس الأمن، نظراً إلى أهمية وجودها في مراقبة الأوضاع ومساعدة الجيش اللبناني عند انتشاره حتى الحدود الجنوبية الدولية بعد الانسحاب الإسرائيلي، فضلاً عن مهامها الإنسانية والاجتماعية والصحية.

وأشار عون إلى أن لبنان، في حال تعذّر التمديد، يرحب بمشاركة قوة أوروبية بديلة، بالتعاون مع الأمم المتحدة، محذراً من أن أي فراغ في الجنوب قد ينعكس سلباً على الاستقرار، ومؤكداً أهمية الدعم اللوجستي والتقني للجيش.

وأبدت الوزيرة الإيرلندية استعداد بلادها للمشاركة في أي قوة دولية بديلة يتم الاتفاق على تشكيلها، من دون طرح صيغة محددة، كما بحثت مع عون التجربة الإيرلندية في حصر السلاح بيد الدولة، والوضع في الجنوب، وموقف حزب الله وملف السلاح.

وفي ما يتعلق بالوضع الميداني، أكد عون أن “إسرائيل” لم تلتزم بالاتفاق الذي تم التوصل إليه في المفاوضات بواشنطن، وتواصل اعتداءاتها على القرى والبلدات الجنوبية بالقصف والتدمير وتجريف المنازل. وأشار إلى أن الاتصالات اللبنانية مع الولايات المتحدة، بصفتها راعية الاتفاق، لم تؤدِّ إلى نتيجة، فيما تواصل “إسرائيل” وضع العراقيل أمام تطبيقه، ما يعرقل بسط سيادة الدولة حتى الحدود الدولية وإعادة الاستقرار.

أما على المستوى القضائي، فيتواصل النقاش حول آلية تطبيق قانون العفو العام، بعدما دعت لجنة الإدارة والعدل وزير العدل عادل نصار والنائب العام التمييزي أحمد رامي الحاج إلى حضور جلستها للاستماع إلى توضيحات بشأن تنفيذ القانون، ولا سيما ما يتعلق بتكرار الجرائم والتعميم الأخير حول المستندات المطلوبة للاستفادة من العفو. وأكد الحاج، عقب الاجتماع، أن التعميم يتعلق بالآليات اللوجستية للعمل، نافيًا أن يشكل تدخلًا في عمل القضاة أو في كيفية تفسيرهم للقوانين، مشدّدًا على إلزامية تفسيرات المجلس الدستوري ووجوب التزام القضاء بها عند تطبيق النصوص التشريعية.