Beirut weather 33 ° C
تاريخ النشر August 10, 2026
A A A
هل يستطيع عون أن يقول «لا» لواشنطن؟
الكاتب: حمزة الخنسا

كتب حمزة الخنسا في الأخبار 

لم تكن جولة روما الأخيرة بين لبنان والعدو بحاجة إلى كثير من التأويل. إسرائيل قالت، عملياً، إنها لا تنوي الإيفاء بالتزاماتها بعد، وبقيت مطالب لبنان في خانة «حرية التعبير عن الرأي»، فيما واصل العدو فرض شروطه، واستمرت واشنطن في المحافظة على التفاوض من دون أن تستخدم ما يكفي من نفوذها لفرض التزام إسرائيلي. وكشفت هذه الجولة عدم جدوى الرهان على الوساطة الأميركية.

 

يحاجج الرئيس عون بأن لبنان لا يحتاج إلى امتلاك القدرة نفسها التي تمتلكها إسرائيل ما دام يمتلك مظلة سياسية أميركية قادرة على إلزامها. لكن ماذا يحدث عندما لا تستخدم واشنطن هذه المظلة؟

 

إنكار السلطة يبدأ من عدم فهم المشكلة، إذ لا يكفي أن تكون واشنطن وسيطاً، بل أن تكون مستعدّة لاستخدام نفوذها عندما ترفض إسرائيل التنفيذ. وإلّا يصبح دورها أقرب إلى إدارة الخلاف منه إلى ضامن للاتفاق. وهذا ما اختبرته السلطة في «المناطق التجريبية»، إذ كان يُفترض أن تكون هذه المناطق نموذجاً لآلية واضحة ينتشر الجيش اللبناني بموجبها، وتنسحب إسرائيل، ثم ينتقل الطرفان إلى منطقة جديدة. لكن حين تعطّل الانسحاب الإسرائيلي، لم يتعطّل المسار اللبناني بالقدر نفسه.

 

هنا تحديداً، تبرز أهمية جولة روما الأخيرة، حيث أثبتت إسرائيل قدرتها على تعطيل المسار متى أرادت، وأن واشنطن لم تستخدم نفوذها حتى الآن بالقدر الذي يجعل هذا التعطيل مستحيلاً أو مُكلِفاً، وأن لبنان لا يزال يفتقر إلى ورقة ضغط يستطيع استخدامها لفرض معادلة «مقابل مقابل».

 

وهذا ما تعبّر عنه مصادر سياسية مواكبة بالقول إن السلطة في لبنان أمام مشكلة سياسية حقيقية، فكلما قدّمت خطوة جديدة من دون الحصول على خطوة إسرائيلية مقابلة، أصبحت الخطوة التالية أصعب. وكلّما قالت إن «المسار مستمر»، فيما لا يتغير شيء على الأرض، تآكلت قيمة المسار نفسه. فالوقت ليس دائماً في مصلحة المفاوض الضعيف.

 

وتضيف المصادر أن الوقت بات الأداة التي يستخدمها الطرف الأقوى لتطبيع التنازلات، بحيث تصبح خطوة اليوم أمراً واقعاً غداً، ثم تصبح أساساً لطلب جديد بعد غد، فيما يبقى المقابل مؤجّلاً إلى مرحلة تالية. وبحسب المصادر نفسها، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تفشل المفاوضات، بل أن تنجح إسرائيل في تحويل المفاوضات إلى مسار دائم لتأجيل الانسحاب، فيما يتحوّل التنفيذ اللبناني إلى التزام متراكم لا يمكن التراجع عنه. عندها تصبح واشنطن طرفاً في إدارة هذا التوازن المختلّ، لا أداة لتصحيحه.

 

وترى المصادر نفسها أن الاختبار الحقيقي للسلطة لن يكون في الجولة المقبلة، ولا في صياغة البيان الذي سيصدر بعدها، بل في اللحظة التي ستصل فيها رسالة أميركية جديدة إلى بيروت تطلب خطوة لبنانية جديدة، بينما لم ينفّذ العدو الخطوة السابقة بعد.

 

عندها، سيظهر إن كانت العلاقة مع واشنطن وسيلة أم غاية. فإذا كانت وسيلة كما يروّج الرئيسان جوزيف عون ونواف سلام، فهذا يعني أنه بمقدورهما أن يقولا «لا». أمّا البقاء في المربّع نفسه، فإن السلطة تكون قد أجابت عملياً على سؤال خصومها: هل تستخدم السلطة واشنطن لتحصيل حقوق لبنان، أم تستخدم حقوق لبنان للحفاظ على رضى واشنطن»؟

 

يقول عون، إنه حليف لواشطن، وصديق لترامب، وإنه يستمدّ قوته من هذه العلاقة التي لا بدّ أن تُثمِر في روما يوماً ما. لكن عليه أن يثبت أن علاقته بالأميركيين ليست تفويضاً مفتوحاً لهم على حساب لبنان. والأهم أن المفاوض القوي ليس من يملك الحليف الأقوى فقط، بل من يملك القدرة على التوقف عند الضرورة.

 

ويستطيع أن يقول «لا» عندما تصبح الـ«نعم» تنازلاً. ويستطيع أن يجعل استمرار الاتفاق مصلحة مشتركة، لا مساراً يدفع فيه طرف واحد الثمن. هذا بالضبط ما لم يثبته عون في روما ولا قبلها في واشنطن. لذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يلاحقه من الآن فصاعداً هو: عندما يطلب منه أن يدفع، دون مقابل إسرائيلي، هل يستطيع أن يقول «لا»؟