Beirut weather 25 ° C
تاريخ النشر September 28, 2026
A A A
سلام في نيويورك: لبنان في مواجهة عالم يتغيّر
الكاتب: طارق ترشيشي

كتب طارق ترشيشي في “الجمهورية”:

لم يكن خطاب رئيس الحكومة نواف سلام أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة مجرد مرافعة لبنانية حول قضايا الساعة، بل حمل في خاتمته خصوصاً، رؤية أوسع لموقع لبنان في عالم يتغيّر بسرعة، ولنظام دولي، ما زالت مؤسساته الأساسية أسيرة توازنات نشأت عقب الحرب العالمية الثانية. ومن هذه الزاوية، تبدو دعوة سلام إلى إصلاح مجلس الأمن، أكثر من مجرد موقف ديبلوماسي. إنّها تعبير عن فلسفة سياسية، تقوم على فكرة أساسية: «الدول الصغيرة والمتوسطة تحتاج إلى نظام دولي أكثر عدالة وفاعلية، لأنّ قدرتها على حماية مصالحها بقوة الأمر الواقع محدودة، فيما تبقى حاجتها إلى القانون والمؤسسات الدولية كبيرة».

اختار سلام أن يبدأ خاتمة خطابه من عنوان الدورة الحالية للجمعية العامة: «استعادة الثقة، وإدارة التحول». ثم طرح السؤال من داخل المنظمة نفسها: كيف يمكن للأمم المتحدة أن تطالب دول العالم بتغيير سلوكها، فيما لا تقوم هي بالتغيير المطلوب لاستعادة ثقة الشعوب بها؟

هنا ينتقل الخطاب من لبنان إلى النظام الدولي بأسره. فالعالم الذي أنشأ الأمم المتحدة عام 1945 لم يعد هو نفسه. تَضَاعف عدد الدول الأعضاء مرّات عدة، وانتهى الاستعمار، ونهضت أفريقيا، وتحولت آسيا، وبرزت قوى اقتصادية و سياسية جديدة، فيما بقيت البنية الأساسية لمجلس الأمن مرتبطة بميزان القوى الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية.

ولذلك، جاءت الإشارة الصريحة إلى أفريقيا والعالم العربي. فسلام لا يطرح المسألة من زاوية لبنانية ضيّقة، بل يضع لبنان داخل مجموعة أوسع من الدول التي ترى أنّ التمثيل الحالي في مجلس الأمن لا يعكس بمقدار كافٍ خريطة العالم السياسية والاقتصادية والديموغرافية. لكن الأهم، أنّ سلام لم يذهب إلى الطرح الأكثر راديكالية. فهو لم يطالب بإلغاء حق النقض (الفيتو)، بل دعا إلى تقييد استخدامه عندما يتعلق الأمر بالإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني. وعبارة «لأننا واقعيون» التي استخدمها هنا ليست تفصيلاً لغوياً، إنما تكشف محاولة الجمع بين المبدأ والواقعية السياسية. فإلغاء «الفيتو» يصطدم مباشرة بمصالح الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، بينما تقييد استخدامه في حالات محدّدة، يندرج في إطار إصلاح يمكن طرحه سياسياً وقانونياً داخل المنظومة القائمة.

وفي خلفية هذا الطرح حضور واضح لتجربة الشرق الأوسط، وخصوصاً العجز الدولي المتكرّر عن منع الحروب أو وقف الانتهاكات الكبرى. إلاّ أنّ سلام تعمّد عدم تحويل الخاتمة موقفاً من نزاع بعينه، فصاغ مطلبه في اعتباره قاعدة عامة تنطبق على مختلف النزاعات، بما فيها تلك التي يعيشها الشرق الأوسط.

أما البعد اللبناني في الخطاب، فيظهر بوضوح أكبر في حديثه عن الدول الصغيرة والمتوسطة، التي لا ينبغي أن تبقى «مجرد متفرّج» على قرارات تتعلق بأمنها ومستقبلها. فهذه العبارة تحمل دلالة خاصة بالنسبة إلى لبنان، الذي عاش طويلاً في منطقة تتداخل فيها إرادات القوى الإقليمية والدولية، ودفع في مراحل كثيرة ثمن تحوّل أراضيه ساحة للنزاعات.

ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين دعوة سلام إلى إصلاح مجلس الأمن ومواقفه الأخرى حول استعادة قرار الدولة اللبنانية. فهناك خيط ناظم بين الفكرتين: «في الداخل، يريد تثبيت الدولة صاحبة القرار في الحرب والسلم؛ وفي الخارج، يريد نظاماً دولياً يمنح الدول الصغيرة حماية أكبر عبر القانون والمؤسسات، لا عبر موازين القوة وحدها».

وثمة قراءة أخرى لا يمكن تجاهلها في خطاب سلام أمام الجمعية العمومية للمنظمة الدولية: علاقته بالسباق الجاري على منصب الأمين العام للأمم المتحدة. فعملية اختيار خلف أنطونيو غوتيريش بدأت فعلياً، على أن تنتهي ولايته في 31 كانون الأول المقبل، وقد دخلت عملية الاختيار مراحلها الرسمية. صحيح أنّ سلام ليس مرشحاً رسمياً حتى الآن، ولا توجد في المعطيات العلنية إشارة إلى أنّه قدّم ترشيحه، إلّا أنّ تقارير ديبلوماسية عدة تناولت احتمال أن يكون اسمه خياراً توافقياً، إذا تطورت المنافسة على نحو مختلف.

من هنا يبرز سؤال سياسي مشروع: «هل كان خطاب سلام في نيويورك، ولا سيما منه دعوته إلى إعادة بناء الثقة بالأمم المتحدة وإصلاح مجلس الأمن وتوسيع تمثيله وتقييد استخدام «الفيتو» في حالات الإبادة وجرائم الحرب، نوعاً من «بيان رؤية» غير معلن لمنصب الأمين العام، أو تمهيداً لترشيح قد يأتي في مرحلة لاحقة؟

تكتسب هذه الفرضية بعض وجاهتها من سيرة سلام نفسه. فهو لا يتحدث عن الأمم المتحدة من موقع رئيس حكومة لبناني فحسب، بل من خلفية ديبلوماسية وقانونية دولية، وصولاً إلى عضوية محكمة العدل الدولية ورئاستها. كما أنّ الموضوع الذي اختاره في خاتمة خطابه: «إصلاح الأمم المتحدة واستعادة الثقة بها»، يقع في صلب النقاش حول مستقبل المنظمة ودور أمينها العام المقبل.

لكن القفز من هذه المؤشرات إلى القول إنّ سلام أطلق ترشيحه، سيكون سابقاً لأوانه. الأدق أن يُنظر إلى الخطاب في اعتباره «يحافظ على خيار مفتوح». فهو يثبت حضوره في النقاش الدولي حول مستقبل المنظمة، من دون أن يعلن دخوله رسمياً السباق. وهذا النوع من التموضع قد يسمح له بتقديم رؤيته ومؤهلاته واختبار مدى تقبّلها، من دون تحمّل الكلفة السياسية للإعلان المبكر عن ترشح لم تتوافر له بعد شروط التوافق.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة دعوة سلام إلى «أمم متحدة أكثر تمثيلاً، وأكثر ديمقراطية، وأكثر فعالية» على أنّها ليست فقط موقفاً لبنانياً من إصلاح المنظمة، بل أيضاً «رؤية محتملة للدور الذي يمكن أن يلعبه الأمين العام المقبل في قيادة عملية الإصلاح».

وهنا تبرز أهمية التوقيت. فخطاب سلام جاء في مرحلة تستعد فيها الأمم المتحدة لانتقال في قيادتها، فيما كان غوتيريش يلقي خطابه الأخير أمام الجمعية العمومية بصفته أميناً عاماً. لذلك يبقى السؤال مفتوحاً: هل ينتهي خطاب سلام إلى أن يكون مجرد مرافعة لبنانية في الجمعية العمومية، أم أنّه سيُقرأ لاحقاً، ولو بأثر رجعي، في اعتباره أول ملامح بيان ترشيح مؤجّل؟

تزداد أهمية هذه الرؤية إذا أُخِذ في الاعتبار الخلفية المهنية لسلام، الذي جمع بين الديبلوماسية والقانون الدولي والعمل في الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية. لذلك تبدو مفردات خطابه: (الشرعية، التمثيل، القانون، المؤسسات، الإصلاح)، امتداداً طبيعياً لمسار طويل داخل النظام الدولي.

لكن إصلاح مجلس الأمن يبقى هدفاً بالغ التعقيد، والمفاوضات حوله مستمرة منذ سنوات. ولذلك لا ينبغي قراءة خطاب سلام في اعتباره إعلاناً عن تغيير قريب في بنية المجلس، بل باعتباره تحديداً لموقع لبنان في نقاش دولي طويل حول شكل النظام العالمي المقبل.

وفي النهاية، يمكن اختصار رسالة سلام بثلاث دوائر مترابطة: «استعادة قرار الدولة في الداخل، حماية السيادة اللبنانية بالقانون الدولي، والمطالبة بنظام دولي أكثر تمثيلاً وعدالة وفعالية». وبهذا المعنى، فإنّ خطاب نيويورك لم يكن فقط خطاباً عن الأمم المتحدة، كان أيضاً خطاباً عن لبنان: دولة صغيرة تحاول أن تحمي استقلال قرارها في الداخل، وأن تستند إلى قواعد ومؤسسات دولية أقوى في الخارج.

وربما كان يحمل، في الوقت نفسه، رسالة أخرى أبعد مدى: إنّ الرجل الذي تحدث عن إصلاح المنظمة الدولية لم يكن يتحدث فقط بصفته رئيساً لحكومة دولة صغيرة، بل كديبلوماسي وقانوني يعرف أروقة الأمم المتحدة من الداخل، وقد يكون، إذا نضجت الظروف السياسية، معنياً بالمنافسة على قيادة هذه المنظمة نفسها.

وفي عالم تتسع فيه الفجوة بين سرعة التحولات الدولية وبطء المؤسسات التي يفترض أن تديرها، تبدو رسالة سلام واضحة: «إذا كان العالم قد تغيّر منذ 1945، فإنّ استمرار الثقة بالأمم المتحدة يتطلّب أن تتغيّر هي أيضاً».