Beirut weather 24 ° C
تاريخ النشر September 28, 2026
A A A
السيد لا يزال يصنع المعادلات
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:
في مثل هذا اليوم قبل عامين، ظنّ أعداء السيد حسن نصر الله أن اغتياله سيحوّل الضربات المتلاحقة التي أصابت المقاومة إلى كرة ثلج لا تتوقف: البيجر، وأجهزة اللاسلكي، واغتيال القادة، وتدمير جزء هام من المقدرات العسكرية. وكان السؤال الذي أرادوا حسمه سريعاً: هل فُتح الطريق للقضاء على المقاومة، أولاً في الميدان، ثم في السياسة اللبنانية؟

لم تكن الخسائر صغيرة كي يُجاب عنها بالشعارات؛ فقد أحدثت خللاً كبيراً، ووضعت المقاومة أمام امتحان قيادتها وتنظيمها وقدرتها على مواصلة الحرب. لكن حجم الضربة شيء، ونجاح مشروع القضاء عليها شيء آخر. فلو كان اغتيال السيد قد حقق الغاية التي أُريدت منه، لكانت الحرب البرية التي أعقبته قد انتهت بفرض الشروط الإسرائيلية. وما حدث أن هذا المسار تعطّل، وجاء اتفاق تشرين الثاني/نوفمبر 2024 تعبيراً عن حدود ما أمكن حسمه بالنار، لا شهادةً بانتهاء المقاومة.

ثم انتقل الرهان إلى السياسة. فصار المطلوب – بعدما أعيد تكوين السلطة تحت العباءة الأميركية كنتيجة لمسار الضربات التي تلقتها المقاومة – أن تُنتج الضغوط على لبنان، والاحتلال المستمر، ووعد الانسحاب المشروط، ما لم تستطع الحرب إنتاجه، وكان اتفاق الإطار هو الثمرة التي انعقد الرهان عليها. في هذا السياق يمكن قراءة مأزق الاتفاق الإطاري اللاحق؛ فحين يحذّر جان عزيز، المستشار الرئاسي، من أن استمرار الاحتلال والعمليات الإسرائيلية قد يجعل الاتفاق يؤكد رواية المقاومة بدلاً من أن يدحضها، فهو يضع إصبعه على عطب المشروع من داخله: كيف يُطلب من اللبنانيين التخلّي عن مصدر قوتهم، فيما تُثبت “إسرائيل”، يوماً بعد يوم، أنها لا تنسحب لمجرد وجود اتفاق؟

والأهم أن تجدّد الحرب بعد الثاني من آذار/مارس كشف خطأ افتراض أن المقاومة التي خرجت من أيلول/سبتمبر 2024 لم تعد قادرة على القتال. لقد خسرت الكثير، لكنها لم تفقد القدرة على استعادة توازنها. وهذا هو الفارق الذي يغيّبه الاحتفال بصورة الدمار؛ إذ يمكن تدمير مواقع واغتيال رجال، لكن القضاء على مقاومة يقتضي كسر إرادتها وبنيتها وعلاقتها ببيئتها، ثم فرض واقع لا تستطيع تغييره، وذلك لم يحدث.

قام الاغتيال، كسلاح سياسي، على فرضية قديمة في نظرة الغرب إلى الشرق: أن السياسة تُصنع حول الزعماء، وأن قتل القائد يغيّر المعادلة. لذلك لم يكن استهداف السيد والقادة في لبنان، ومثله في غزة وإيران، استهدافاً لأشخاص فقط؛ بل كان رهاناً على أن غيابهم سيقطع الطريق على مَن بعدهم. لكن التجربة قالت شيئاً آخر: ثمة بنية بذل القادة الذين رحلوا جهداً جباراً في بنائها، وبذل خلفاؤهم جهداً جباراً في إثبات قدرتها على الاستمرار. ورحيل السيد لا يعيد -حكماً- إنتاج مشهد رحيل عبد الناصر ثم مجيء السادات؛ فما يحدّد الاتجاه ليس غياب الرجل وحده، بل ما بناه قبل غيابه، ومن يحمل المشروع بعده.

لهذا لم تتحوّل اغتيالات أيلول/سبتمبر 2024 وضرباته إلى كرة ثلج تقضي على المقاومة. لقد أصابتها إصابة ثقيلة، لكن الحرب البرّية لم تُنتج الحسم الموعود، ثم لم ينجح المسار السياسي في إنجاز ما عجزت عنه الحرب. وما ظهر من أداء المقاومة بعد الثاني من آذار/مارس أعاد طرح السؤال على خصومها: إذا كانت قد انتهت، فلماذا لا يزال القضاء عليها هدفاً يحتاج إلى حرب جديدة وشروط جديدة؟

أما السؤال الثاني فهو أوسع: هل دخل محور المقاومة مأزقاً لا خروج منه بعد خسارة السيد ثم خسارة سوريا؟ لا يجوز التقليل من حجم هذه الخسارة، لكن اختبار البديل السوري لا يقلّ أهمية عن تسجيل سقوط الحليف السابق؛ فتموضع الحكم الجديد في الضفة المناوئة للمقاومة لم يقدّم لسوريا حماية من التغوّل الإسرائيلي. وفي المقابل، كشفت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران حدود القدرة على فرض استسلامها، فيما جاء التقدم اليمني وصولاً إلى باب المندب، على الرغم من كل الرهانات على إسقاط صنعاء، ليفرض معادلة إقليمية لم تكن حاضرة في حسابات مَن أعلنوا نهاية المحور.

لقد خسرت المقاومة سوريا بموقعها السابق، وخسرت قادة ومقدرات لا يُعوَّضون بسهولة. لكن خصومها اكتشفوا، في المقابل، أن قتل القادة لا يهدم بالضرورة ما بنوه، وأن تدمير المواقع لا يمنح بالضرورة القدرة على احتلال الأرض، وأن امتلاك السماء لا يلغي أثر الجغرافيا حين يمسك بها من يعرف كيف يستخدمها. تلك هي الأسئلة التي تجعل وصف نتنياهو للسيّد بأنه «محور المحور» اعترافاً بحجم الدور الذي أراد اغتياله أن يطويه.

وخارج لبنان، سقط افتراض ثالث: الرهان على أن القوة العمياء تكفي لحسم الحرب مهما بلغت قيمة الجغرافيا في يد الخصم. وثبت أن الجغرافيا قد تصبح سلاحاً حين تتوافر القدرة على تشغيلها وتوظيفها ضمن حساب سياسيّ. مضيق هرمز هو المثال الأكثر سطوعاً؛ يقول ترامب إنه مفتوح، ثم تعود واشنطن إلى التفاوض على فتحه. وإذا كان هذا حال هرمز بعد كل ما استُخدم من قوة ضد إيران، فكيف تتجاهل الحسابات باب المندب، حيث أوجد التقدّم اليمني معادلة جديدة على طريق البحر الأحمر؟

هذه الوقائع لا تعني أن الخسائر زالت، ولا أن موازين القوى عادت إلى ما كانت عليه؛ معناها أن الضربات الكبرى لم تحقق النتيجة التي أرادها أصحابها، وهي سقف ما يمكن تخيّله في مثل هذه الحروب، لكن إنهاء قدرة المقاومة على البقاء والتأثير وصناعة توازن مضاد قد فشل. ولهذا تكتسب عبارة نتنياهو، حين وصف السيد بأنه «محور المحور»، دلالتها في الذكرى؛ فقد رأى فيه خصمه ما هو أبعد من قائد تنظيم: عقلاً يصل الجبهات، ويقرأ ميزان القوى، ويبني رؤية استراتيجيّة تتجاوز حدود لبنان.

لكن اختزال السيد في الحسابات العسكرية يُفوّت جانباً أساسياً من أثره؛ فقد صنع الحقائق أيضاً بقوة المثال الشخصي والحزبي، وبإيمانه بأن التفوّق الأخلاقي جزء من القوة. وكان الحب في مدرسته عنصراً سياسياً حقيقياً: حبه للناس، وحب الناس له. تحدّث إلى جمهور واسع حتى خُيّل إلى كثيرين، في لبنان والعالمين العربي والإسلامي، أنهم يعرفونه معرفة الصديق، وأنه يجالسهم ويشاركهم همومهم.

قد يدخل التاريخ رجالٌ كثيرون لأنهم غيّروا خريطة حرب أو سياسة، وقلة نادرة تترك -إلى جانب ذلك- معادلةً جديدة في علاقة الناس بالقضية وبمن يحملها. في ذكرى السيد حسن نصر الله، يبقى السؤال عما أنجزته المقاومة وما خسِرته مفتوحاً على الوقائع. أما ما أضافه هو إلى معنى القيادة، من أخلاق وحبّ وثقة، فقد صار جزءاً من تاريخ لا يطويه اغتيال.