Beirut weather 24.1 ° C
تاريخ النشر May 18, 2026
A A A
سقوط أوهام الحسم البري: دلالات اعتراف العدو بالعجز أمام مُسيّرات وصواريخ المقاومة
الكاتب: حسن حردان

كتب حسن حردان في البناء 

صُدمت الأوساط السياسية في كيان الاحتلال بنقل هيئة البث الإسرائيلية الرسمية اعترافاً عن مصدر أمني إسرائيلي رفيع قال فيه: “لن نتمكّن من وقف هجمات المُسيّرات والصواريخ بشكل كامل، حتى وإنْ احتللنا جنوب لبنان بأكمله”، وهو ما يعكس إحباطاً أمنياً من مرونة وقدرة المقاومة الصاروخية ومُسيّراتها المبتكرة.

يطرح هذا الاعتراف الإسرائيلي البالغ الأهمية بتوقيته السؤال الآتي:

ما هي دلالات هذا الإقرار بالعجز أمام المقاومة؟

يحمل هذا الإقرار الصادر عن مصدر أمني رفيع عبر هيئة البث الإسرائيلية دلالات استراتيجية وعسكرية بالغة الأهمية، ويمثل تحوّلاً كبيراً في الوعي الأمني والسياسي الإسرائيلي تجاه الصراع مع المقاومة في لبنان. ويمكن تفسير دلالات هذا الاعتراف بعدة أبعاد رئيسية:

أولاً: اعتراف باستحالة الحسم العسكري وسقوط نظرية الحزام الأمني.

منذ عقود قامت العقيدة العسكرية الإسرائيلية على فكرة أنّ احتلال الأرض وتطهيرها جغرافياً هو السبيل الوحيد لتأمين الجبهة الداخلية (العمق الإسرائيلي).

الدلالة هنا: أنّ اعتراف الأمن الإسرائيلي بأنّ احتلال “جنوب لبنان بأكمله” لن يوقف صواريخ ومُسيّرات المقاومة، يعني رسمياً سقوط نظرية “الحزام الأمني البشري أو الجغرافي” كحلّ نهائي. فالجغرافيا لم تعُد عائقاً أمام سلاح غير مرئي وعابر للحدود.

ثانياً، الإقرار بمرونة وتطوّر القدرات العسكرية للمقاومة بما يعني:

اعترافاً إسرائيلياً بأنّ المقاومة ليست جيشاً كلاسيكياً ينهار بضرب مراكز قيادته أو احتلال قواعده، بل هي منظومة شديدة اللامركزية والمرونة.

تحدي التكنولوجيا بالبساطة الذكية: تتميّز طائرات الاستطلاع والمُسيّرات الانقضاضية الصغيرة (الدرونز) ببصمة رادارية وحرارية منخفضة، مما يجعل رصدها وإسقاطها بواسطة منظومات معقدة وغالية الثمن مثل “القبة الحديدية” أو “مقلاع داوود” أمراً شبه مستحيل بنسبة 100%. كما أنّ سهولة إطلاقها من أيّ نقطة (حتى خلف خطوط التقدم الإسرائيلي) يحيّد التفوق الجوي والبري الإسرائيلي.

ثالثاً: تحضير الرأي العام الإسرائيلي لقبول التسوية السياسية،

غالباً ما تُستخدم التسريبات والاعترافات الأمنية عبر هيئة البث الرسمية كوسيلة لـ “كي الوعي” وتهيئة الرأي العام في كيان العدو.

ولهذا يمكن إدراج هذا الاعتراف في سياق توجه من القيادة الأمنية والعسكرية الصهيونية هدفه خفض سقف التوقعات المرتفع لدى المجتمع الإسرائيلي وسكان المستوطنات في الشمال (الذين يطالبون بنصر ساحق وعودة آمنة مطلقة). هذا الاعتراف يمهّد الطريق لإقناع الجمهور بأنّ الحروب لم تعُد تنتهي بـ “استسلام العدو”، بل باتفاقيات سياسية وتسويات دولية (مثل الهدن الممدة لـ 45 يوماً برعاية واشنطن)، لأنّ الاستمرار في القتال البري بات بلا جدوى عملياتية حقيقية لردع الصواريخ والمُسيّرات.

رابعاً: الفشل في تحقيق أهداف الحرب المعلنة،

منذ بداية التصعيد، كان الهدف الإسرائيلي المعلن هو “تغيير الواقع الأمني في الشمال الفلسطيني المحتلّ لضمان عودة المستوطنين”.

غير أنّ الإقرار بالعجز عن وقف المُسيّرات والصواريخ يعني اعترافاً ضمنياً بالفشل في تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي عبر القوة العسكرية. فما دام هناك صاروخ واحد أو مُسيّرة واحدة يمكنها النفاذ، فإنّ “الأمن المطلق” لسكان المستوطنات الشمالية سيبقى مفقوداً، وبالتالي فإنّ معادلة الردع لم تُحسم لصالح تل أبيب.

خامساً: أزمة استنزاف في عمق الكيان الصهيوني،

تفرض القدرة الصاروخية وسلاح المُسيّرات للمقاومة حرب استنزاف يومية مستمرة على الاقتصاد، وحركة الطيران، والوضع النفسي للمجتمع الإسرائيلي. هذا الاعتراف يعكس إحباطاً من أنّ الجيش الإسرائيلي ـ رغم حجم التدمير الهائل الذي أحدثه في القرى والبلدات اللبنانية في جنوب لبنان ـ لم ينجح في قطع “الشريان الحيوي” الذي يغذي هذه الضربات المستمرة نحو العمق الصهيوني.

خلاصة القول: هذا الاعتراف الإسرائيلي يمثل شهادة واقعية من قبل مرجع أمني رفيع المستوى على تبدّل موازين القوى في الحروب الحديثة؛ حيث لم يعُد “التفوق العسكري التكنولوجي واحتلال الأرض” كافيين لفرض الشروط السياسية، وأصبحت القوة التكتيكية للمقاومة (عبر الصواريخ والمُسيّرات) قادرة على فرض معادلة ردع متبادلة تُجبر المؤسسة الأمنية الصهيونية على الاعتراف بحدود قوتها…