Beirut weather 24.1 ° C
تاريخ النشر May 18, 2026
A A A
تدمير الثقة والرؤية أخطر من الأزمة الإقتصادية

 

 

كتب د.فؤاد زمكحل

لم يمرّ لبنان بأزمة مالية واقتصادية فحسب، إنما يمرّ بشيء أخطر بكثير: تدمير تدريجي للثقة وللرؤية الجماعية للمستقبل. فالدول تستطيع أن تتجاوز الحروب، والركود الإقتصادي وحتى الإنهيارات المالية يمكن احتواؤها مع الوقت. لكن عندما يفقد الشعب ثقته بدولته وبمؤسساته، واقتصاده، ومستقبله، وأحياناً بنفسه، يصبح إعادة البناء أصعب بكثير لا بل مستحيلة.

 

على مدى عقود، كان لبنان يعيش على رأس مال غير مرئي، لكنّه بالِغ الأهمّية: إنّه عامل الثقة. الثقة بالنظام المصرفي، الثقة بقدرة البلد على جذب الاستثمارات، الثقة بإعادة البناء، الثقة بالمرونة وإدارة الأزمات، الثقة بالتعليم وبالقطاع الخاص وبالسياحة، وبقدرة اللبنانيِّين الدائمة على النهوض مهما اشتدّت الأزمات.

 

هذه الثقة كانت الثروة الحقيقية للبنان، وعندما فَقَد المودعون إمكانية الوصول إلى أموالهم، لم تختفِ فقط الودائع، بل انهار الرابط الأساسي بين المواطن والنظام المالي ونظام الدولة. وعندما بدأ الشباب اللبناني يهاجر بأعداد كبيرة، لم تكن مجرَّد هجرة أدمغة، بل كانت هجرة أمل، ورؤية، ومستقبل.

 

 

 

اليوم، قد لا تكون أكبر أزمة في لبنان مالية أو سياسية فقط، بل هي أزمة نفسية ومؤسساتية واستراتيجية. فالمستثمر أصبح متردِّداً قبل الاستثمار، والشباب اللبنانيّون باتوا متردِّدين قبل البقاء، كما أنّ المغتربين يتردَّدون قبل العودة، وحتى المجتمع بأكمله بات يعيش في منطق المدى القصير، من دون أي وضوح للمستقبل.

 

ولا يمكن لأي اقتصاد أن ينهض من جديد من دون الثقة، فالثقة هي أساس: الاستثمار، الاستهلاك، النمو، الاستقرار، وحتى التماسك الإجتماعي. لكن هناك عنصراً آخر خسره لبنان تدريجياً: الرؤية، فمنذ سنوات عدة، يعيش البلد في إدارة الأزمات بدل بناء مشروع وطني واضح، إذ تتمّ معالجة النتائج بدل معالجة الأسباب، وتُطرح حلول موقتة بدل وضع خطة طويلة الأمد تُعيد الإستقرار والثقة.

 

 

 

في المقابل، فإنّ الدول التي تنجح في النهوض هي تلك التي تعيد إعطاء شعبها رؤية مشتركة: رؤية اقتصادية، رؤية تعليمية، رؤية اجتماعية، ورؤية واضحة للاستقرار والنمو.

 

وعلى رغم من كل شيء، لا يزال لبنان يمتلك نقاط قوّة كبيرة: جالية لبنانية منتشرة وناجحة حول العالم، وطاقات بشرية مميّزة، وروح ريادية عالية، وقطاع خاص صامد، وقدرة استثنائية على التكيُّف والإبداع. لكنّ هذه العناصر وحدها لم تعُد كافية. فالتحدّي الحقيقي اليوم ليس فقط إعادة هيكلة الاقتصاد أو القطاع المصرفي، بل في إعادة بناء الثقة الجماعية.

 

 

 

وهذا يتطلّب: مؤسسات ذات مصداقية، قضاءً عادلاً وواضحاً، إصلاحات شفافة، خطاباً صادقاً مع الناس، وليس شعارات وهمية وانتخابية، ورؤية واقعية تُعيد الأمل للمواطنين. فالاستثمارات قد تعود، ورؤوس الأموال قد تعود، وحتى النمو الاقتصادي قد يعود. لكن من دون ثقة ومن دون رؤية، لن تكون أي نهضة مستدامة.

 

 

 

في المحصّلة، لبنان لا يفتقر إلى الكفاءات، ولا إلى الطاقات، ولا إلى الإمكانات البشرية، إنّ ما ينقصه اليوم أكثر من أي وقت مضى، هو سبب جماعي، يجعل اللبنانيّين يؤمنون من جديد بمستقبل هذا البلد. فلا يتذمّرون منه، ولا يتركونه للمجهول، بل يعاندون من أجل البقاء في أرضهم، وبناء ما دمّرته الحروب المتتالية التي لم ترحم البشر ولا الحجر.