Beirut weather 27.99 ° C
تاريخ النشر June 7, 2026
A A A
استهداف إسرائيل للجيش اللبناني يؤكد العداء للدولة.. ويدفن اتفاق واشنطن..

كتب غسان ريفي 

شكّل الاعتداء الإسرائيلي على المؤسسة العسكرية اللبنانية من خلال استهداف آلية عسكرية في النبطية أدّى إلى استشهاد ضابطين وعسكري، تأكيداً جديداً على استمرار العدو في مشروعه العدواني والتدميري بمعزل عن اتفاق الإطار الذي أُعلن عنه عقب المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية المباشرة.

 

ويبدو أن إسرائيل لا تقيم وزناً لهذا الاتفاق، خصوصاً أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لم يعرضه على المجلس الوزاري المصغر للموافقة عليه، ما يعكس بوضوح مستوى الاستخفاف الإسرائيلي به.

 

 

لا شك في أن القتل المتعمد لضابطين وعسكري لبناني أثناء تأديتهم واجبهم الوطني يتناقض كليا مع مضمون هذا الاتفاق، كما يضع السلطة السياسية اللبنانية أمام مسؤولياتها، في وقت لا تزال تؤكد التزامها به رغم أنه لم يحقق للبنان أي مكاسب فعلية، في حين منح إسرائيل هامشاً واسعاً من حرية الحركة والقدرة على فرض وقائع ميدانية وأمنية جديدة.

 

ويمكن القول إن لهذا الاستهداف جملة من النتائج والدلالات السياسية والأمنية.

 

أولاً: يدحض هذا الاعتداء عملياً ما تضمنه الاتفاق عن عدم وجود عدائية بين لبنان وإسرائيل، بعدما تجاوزت الاعتداءات الإسرائيلية استهداف المدنيين وتدمير القرى الجنوبية والتوسع في احتلال الأراضي اللبنانية لتطال المؤسسة العسكرية نفسها، والتي تشكل جزءاً لا يتجزأ من الدولة اللبنانية ورمزاً من رموز سيادتها.

 

 

ثانياً: يعكس الاستهداف محاولة إسرائيلية لمعاقبة الجيش اللبناني على تمسكه بدوره الوطني في الحفاظ على السلم الأهلي والاستقرار الداخلي، وحرصه على تجنب أي مواجهة مع أي مكوّن لبناني لما قد يترتب على ذلك من تداعيات خطيرة على وحدة البلاد وأمنها.

كما يأتي في سياق استهداف المؤسسة التي تقف سداً منيعاً في وجه مشاريع الفتنة والانقسام التي تسعى إسرائيل إلى تغذيتها واستثمارها.

 

ثالثاً: يشير هذا الاعتداء إلى أن إسرائيل ما تزال تتعامل مع الجنوب اللبناني باعتباره ساحة مفتوحة تخضع لإرادتها الأمنية والعسكرية، وأنها تسعى إلى فرض معادلة تقوم على ضرورة تنسيق الجيش اللبناني لتحركاته في المناطق والبلدات الجنوبية وفق الشروط التي تضعها.

كما يندرج ذلك في إطار محاولاتها المستمرة للدفع نحو اعتبار المقاومة عدواً مشتركاً للجيشين اللبناني والإسرائيلي، وهو أمر ترفضه المؤسسة العسكرية اللبنانية التي تتمسك بعقيدتها وواجباتها الوطنية.

 

 

رابعاً: يمكن قراءة الاستهداف في سياق الرد على زيارة قائد الجيش إلى باكستان تلبية لدعوة قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، وما يمكن أن تفتحه هذه الزيارة من آفاق سياسية أو دبلوماسية مرتبطة بالحراك الإقليمي القائم، ولا سيما في ظل الوساطات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران.

وفي هذا الإطار، تبدو إسرائيل حريصة على استفراد لبنان وإبعاده عن أية مسارات تفاوضية أو إقليمية أوسع، وحصر أي مفاوضات تتعلق به ضمن الإطار الذي يخدم أهدافها السياسية والأمنية.

 

خامساً: يؤكد الاستهداف مجدداً أن مفهوم وقف إطلاق النار لدى إسرائيل يقتصر على منع أي اطلاق نار على قواتها، مقابل احتفاظها بحرية كاملة في تنفيذ الاعتداءات والعمليات العسكرية متى ادّعت وجود تهديد لأمنها، الأمر الذي يمنحها ذرائع دائمة لمواصلة عدوانها واستكمال مخططاتها.

 

 

سادسا: ما حصل في النبطية يضع لبنان بسلطته ومؤسساته أمام مشروع إسرائيلي يهدف إلى تشكيل المنطقة العازلة الخالية من السكان والضغط من خلال الاتفاق على تشريع هذا الاحتلال.

 

يبدو إعلان النوايا أو اتفاق الإطار أقرب إلى أنه وُلد ميتاً نتيجة عدم التزام إسرائيل ببنوده، واستمرار مسؤوليها، وفي مقدمهم بنيامين نتنياهو، في التأكيد على عدم الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة ومواصلة الاعتداءات. إلا أن استهداف الجيش اللبناني بهذه الوحشية يُفترض أن يشكل محطة مفصلية تدفع إلى دفن هذا الاتفاق والبحث عن بدائل أخرى، خصوصاً أن ما جرى في النبطية أمس لم يكن الاستهداف الأول من نوعه، بل يأتي ضمن مسلسل متواصل من الاستهدافات اليومية التي أدت إلى سقوط عشرات الشهداء في صفوف الجيش اللبناني، إضافة إلى استشهاد 13 عنصراً من جهاز أمن الدولة.

 

 

يمكن القول، إن إسرائيل في عدوانها المستمر لا تستهدف فئة أو جهة بعينها، بل تتربص بالدولة اللبنانية ومؤسساتها العسكرية والأمنية وبالشعب اللبناني ككل.

ولعل توزع الضابطين والعسكري الذين استشهدوا بين الطوائف المسيحية والشيعية والسنية يشكل دليلاً إضافياً على أن إسرائيل لا تميّز بين لبناني وآخر، ولا بين مقاوم أو عسكري أو مدني، ما يجعل الاتفاق الذي وصفه الرئيس نبيه بري “بالهجين” أقرب إلى محاولة أميركية لمنح إسرائيل ما عجزت عن تحقيقه في عدوانها على لبنان.