Beirut weather 28.54 ° C
تاريخ النشر June 7, 2026
A A A
لبنان والتحولات الإقليمية
الكاتب: بيار بعقليني - موقع المرده

بين عام ١٩٨٢ واليوم، يبدو وكأنّ لبنان يقف مرّة جديدة أمام مشهدٍ يتكرّر بأسماء مختلفة وعناوين متبدّلة، لكن بجوهر سياسي واحد محاولة إعادة إنتاج سلطة لبنانية جديدة على وقع تحوّل إقليمي كبير، وبرعاية أميركية مباشرة، وبهدف إعادة رسم موازين القوى الداخلية تحت عنوان حصرية السلاح بيد الدولة، فيما ترى واشنطن وتل أبيب أنّ أي قوة عسكرية خارج هذا الإطار تشكّل تهديداً لمشروعهما في المنطقة.

 

عندما وصل الرئيس أمين الجميل إلى رئاسة الجمهورية عام ١٩٨٢، كان لبنان قد خرج لتوّه من أكثر المراحل دموية في تاريخه الحديث ، فالاجتياح الإسرائيلي كان قد بلغ بيروت، العاصمة كانت محاصرة، ومنظمة التحرير الفلسطينية غادرت لبنان بقرار دولي عربي رعته الولايات المتحدة، وسط اعتقاد أميركي وإسرائيلي بأنّ لحظة تاريخية قد حانت لإعادة تشكيل لبنان سياسياً وأمنياً بما يتناسب مع المشروع الغربي في المنطقة، يومها، لم يكن الحديث يدور فقط حول إنهاء الوجود الفلسطيني المسلّح، بل حول نقل لبنان بالكامل إلى محور سياسي جديد تكون فيه إسرائيل اللاعب الأقوى أمنياً واقتصادياً واستراتيجياً، بما يضمن السيطرة على الجغرافيا اللبنانية براً وبحراً وجواً، وبالتالي الإمساك بموقع لبنان وثرواته ودوره في شرق المتوسط.

 

في تلك المرحلة، ساد مناخ سياسي اعتبر أنّ زمن المقاومة انتهى، وأنّ العهد الجديد سيقود لبنان إلى مرحلة مختلفة بالكامل تحت المظلّة الأميركية، وبلغ الخطاب السياسي آنذاك مستويات عالية من الثقة بموازين القوى الجديدة، فظهرت عبارات شهيرة من نوع “الشام تحت أفواه مدافعنا”، في انعكاس مباشر لشعور فريق لبناني بأنّ المنطقة بأسرها تتغيّر لمصلحته، وأنّ موازين القوى العربية والإقليمية دخلت مرحلة جديدة لا عودة عنها،

لكن ما يجب التوقف عنده بموضوعية تاريخية هو أنّ المقاومة الفلسطينية في لبنان، رغم عدالة القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في استعادة أرضه وإقامة دولته، كانت بالنسبة إلى شريحة واسعة من اللبنانيين قوة عسكرية ذات قرار إقليمي مستقل عن الدولة اللبنانية، ومرتبطة مباشرة بتشابكات الأنظمة العربية والمحاور الإقليمية.

 

امتلكت منظمة التحرير الفلسطينية معسكرات وسلاحاً ونفوذاً واسعاً داخل الأراضي اللبنانية، إلا أنّ بنيتها السياسية والعسكرية لم تكن نابعة من التركيبة اللبنانية الداخلية بقدر ما كانت امتداداً للصراع العربي الإسرائيلي بكل أبعاده الإقليمية، لذلك، عندما خرجت المنظمة من لبنان، اعتقد الأميركي والإسرائيلي أنّ إزالة هذا العامل الخارجي ستفتح الباب أمام إعادة ضبط الساحة اللبنانية بسهولة وإنهاء أي مشروع مقاوم مستقبلي،

غير أنّ التاريخ سار بعكس تلك الحسابات تماماً ، فمن رحم الاجتياح الإسرائيلي نفسه، ومن قلب الجنوب والبقاع والضاحية، وُلدت مقاومة لبنانية جديدة أكثر التصاقاً بالأرض والمجتمع والهوية المحلية، تمثّلت لاحقاً بحزب الله، وهنا تحديداً يكمن الفارق الجوهري الذي يتجاهله كثيرون عند المقارنة بين الأمس واليوم.

 

فمع انتخاب الرئيس جوزف عون، يدخل لبنان أيضاً مرحلة شديدة الحساسية إقليمياً من حرب مفتوحة في الجنوب الى ضغط أميركي متصاعد، ورسائل إسرائيلية يومية، ومحاولة واضحة لإعادة طرح ملف سلاح حزب الله على الطاولة الدولية والداخلية باعتباره المدخل الأساسي لإعادة ترتيب لبنان والمنطقة ، كما أنّ الرسائل السياسية والأمنية التي وُجّهت إلى الامين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم وإلى إيران تحمل مضموناً واضحاً مفاده أنّ هناك سعياً لفرض مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة قواعد القوة والنفوذ بعد سنوات من تعاظم دور الحزب إقليمياً وعسكرياً.

 

الا ان المقاربة الحالية تصطدم بحقيقة مختلفة كلياً عن مرحلة الثمانينيات ، فحزب الله ليس تنظيماً وافداً إلى لبنان، ولا قوة عسكرية منفصلة عن بيئتها الاجتماعية، بل هو جزء عضوي من النسيج اللبناني، نشأ من بيئة جنوبية وبقاعية ولبنانية خاضت مواجهة طويلة مع الاحتلال الإسرائيلي وقدّمت آلاف الشهداء والجرحى منذ الثمانينيات حتى التحرير عام ٢٠٠٠، ثم خلال حرب تموز ٢٠٠٦. وسواء اتفق اللبنانيون معه أو اختلفوا حول دوره الداخلي والإقليمي، يبقى أنّه يمثل شريحة لبنانية واسعة ترى فيه قوة ردع وضمانة حقيقية في مواجهة إسرائيل، خصوصاً في ظل شعور متراكم بأنّ المجتمع الدولي ترك لبنان وحيداً لعقود في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.

 

ان التجربة الفلسطينية نفسها تقدّم اليوم نموذجاً إضافياً بالغ الدلالة على تعقيدات هذا المسار. فالرئيس الفلسطيني محمود عباس اختار منذ سنوات طويلة خيار التسوية السياسية الكاملة، والتنسيق الأمني، والالتزام بالشروط الأميركية والدولية، انطلاقاً من قناعة بأنّ الاعتدال السياسي والانخراط الكامل في العملية التفاوضية قد يفتحان الباب أمام قيام دولة فلسطينية وإنهاء الاحتلال، إلا أنّ ما شهدته الضفة الغربية وغزة خلال السنوات الأخيرة، وخصوصاً بعد الحرب الأخيرة، أظهر أنّ هذا الخيار لم يؤدِّ إلى وقف الاستيطان، ولا إلى حماية المدنيين الفلسطينيين، ولا إلى قيام الدولة الموعودة، بل على العكس، استمرّت إسرائيل في توسيع الاستيطان وفرض الوقائع بالقوة، فيما تعرّض الفلسطينيون لعمليات قتل ودمار وتهجير واسعة، وسط عجز دولي واضح عن فرض أي تسوية عادلة أو حتى حماية الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية، وهذا ما يدفع شريحة واسعة في المنطقة إلى الاعتقاد بأنّ الرهان المطلق على الضمانات الأميركية أو على تقديم التنازلات وحدها لا يؤدي بالضرورة إلى السلام أو الاستقرار، بل قد يُفسَّر في ميزان القوى الإقليمي والدولي كحالة ضعف تُستثمر لفرض المزيد من الضغوط والشروط والوقائع الجديدة.

 

لهذا، فإنّ أي مقارنة سطحية بين إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وبين محاولات الضغط على حزب الله اليوم تبدو قاصرة عن فهم طبيعة التحوّل الذي حصل داخل لبنان نفسه، ففي الثمانينيات، كان الرهان على أنّ إنهاء الوجود الفلسطيني المسلّح سيُنهي تلقائياً فكرة المقاومة، لكن النتيجة كانت ولادة مقاومة لبنانية أكثر تجذّراً وتأثيراً. واليوم، يعتقد البعض أنّ الضغط العسكري والاقتصادي والسياسي والحصار الإقليمي الممتد من إيران إلى مضيق هرمز وصولاً إلى المتوسط يمكن أن يؤدّي إلى إضعاف الحزب أو عزله، إلا أنّ تعقيدات الواقع اللبناني وتشابكاته الإقليمية تجعل أي محاولة لإعادة رسم التوازنات بالقوة أمراً بالغ الخطورة والتعقيد.

فلبنان لم يكن يوماً بلداً يُعاد تشكيله بقرار خارجي فقط، ولا بالتوازنات العسكرية وحدها ، وفي كل مرة حاولت فيها القوى الدولية أو الإقليمية فرض صيغة داخلية بالقوة، انفجرت التناقضات من جديد، لذلك، فإنّ القاسم المشترك الحقيقي بين عهدَي أمين الجميل وجوزف عون لا يقتصر على الدعم الأميركي أو الضغط الإسرائيلي، بل يكمن في الرهان المتكرّر على أنّ لحظة إقليمية معيّنة، سواء بعد الاجتياح الإسرائيلي عام ١٩٨٢ أو في ظل التحولات الحالية والتفاهمات الإقليمية والدولية، قادرة على إعادة صياغة لبنان بالكامل ، إلا أنّ الفارق الأساسي يبقى أنّ ما كان يُنظر إليه في الثمانينيات كقوة مسلّحة ذات امتداد خارجي، أصبح اليوم جزءاً من المعادلة اللبنانية الداخلية بكل تعقيداتها السياسية والشعبية والاجتماعية والعسكرية، ما يجعل أي محاولة للتعامل مع الواقع اللبناني بعقلية الثمانينيات قراءة ناقصة لتوازنات تغيّرت جذرياً خلال أربعة عقود.