Beirut weather 22.43 ° C
تاريخ النشر April 24, 2026
A A A
اتفاق الطائف ام اتفاق 17 أيار؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء

عندما تم التوصل إلى اتفاق الطائف كان قد تم إلغاء اتفاق 17 أيار، وتحديد الإطار القانوني لموقع لبنان في الصراع مع “إسرائيل” لم يكن منفصلاً عن السعي لتحرير الأرض واستعادة السيادة، ومصطلحات الانسحاب الإسرائيلي وبسط السيادة اللبنانية وردت في اتفاق الطائف ووردت في اتفاق 17 أيار، لكن الإطار القانوني للعلاقة بين لبنان وكيان الاحتلال اختلف جذرياً بين اتفاق الطائف واتفاق 17 أيار، حيث ورد في اتفاق الطائف النص التالي: “استعادة سلطة الدولة حتى الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً تتطلب الآتي: أـ العمل على تنفيذ القرار 425 وسائر قرارات مجلس الأمن الدولي القاضية بإزالة الاحتلال الإسرائيلي إزالة شاملة. ب ـ التمسك باتفاقية الهدنة الموقعة في 23 آذار 1949 م. ج ـ اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها ونشر الجيش اللبناني في منطقة الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً والعمل على تدعيم وجود قوات الطوارئ الدولية في الجنوب اللبناني لتأمين الانسحاب الإسرائيلي وإتاحة الفرصة لعودة الأمن والاستقرار إلى منطقة الحدود”.

 

نص اتفاق 17 أيار بالمقابل في المادة الأولى على: “- يتعهد كل من الفريقين باحترام سيادة الفريق الآخر واستقلاله السياسي وسلامة أراضيه، ويعتبر أن الحدود الدولية القائمة بين لبنان و”إسرائيل” غير قابلة للانتهاك. – يؤكد الفريقان أن حالة الحرب بين لبنان و”إسرائيل” أنهيت ولم تعد قائمة. – عملاً بأحكام الفقرتين الأولى والثانية، تتعهد إسرائيل بأن تسحب قواتها المسلحة من لبنان وفقاً لملحق هذا الاتفاق”.

 

الواضح إذن من المقارنة بين ما نصّ عليه اتفاق الطائف واتفاق 17 أيار، أن الفارق بينهما ليس في الدعوة لانسحاب قوات الاحتلال من لبنان أو في بسط سيادة الدولة اللبنانية على أراضيها، إنما في توصيف العلاقة بين لبنان و”إسرائيل”، هل هي حالة هدنة تحت سقف القرارات الدولية التي نصّت على انسحاب إسرائيلي غير مشروط من الأرض اللبنانية، أم هي إنهاء حالة الحرب، والتمييز بين الحالتين ليس تفصيلاً بسيطاً، وإلا لكان استخدم اتفاق 17 أيار صيغة اتفاقية الهدنة والقرارات الدوليّة، أو كان استخدم اتفاق الطائف صيغة إنهاء حال الحرب.

 

الفارق بين الصيغتين يظهر مباشرة من الطلبات الأميركية الإسرائيلية التي تسبق التفاوض والتي تضمّنتها الدعوة لإلغاء القوانين اللبنانية التي تنصّ على أحكام مقاطعة “إسرائيل” وتحريم وتجريم التعامل معها، كما يظهر الفارق في المفهوم الذي نص عليه ما نشرته وزارة الخارجية الأميركية عن مضمون وقف إطلاق النار، الذي قالت إنّه حظي بموافقة لبنان و”إسرائيل”، وقد جاء في الفقرة الثالثة من الاتفاق: “تحتفظ “إسرائيل” بحقها في اتخاذ كافة التدابير اللازمة للدفاع عن النفس، في أي وقت ضد أي هجمات مخطط لها أو وشيكة أو جارية ولن يحول وقف الأعمال العدائية دون ممارسة هذا الحق”. وهذه الصيغة التي تمنح “إسرائيل” صلاحيّة التحرك والعمل داخل الأراضي اللبنانية تشبه ما نص عليه اتفاق 17 أيار وليس ما نصّت عليه اتفاقيّة الهدنة.

 

في اتفاق 17 أيار تلتزم الدولة اللبنانية في المادة الخامسة على منع أي عمل دعائي ضد “إسرائيل”، وتلتزم في المادة الثامنة بعقد اتفاقات لتسهيل حركة البضائع والمنتجات عبر الحدود، بينما لا تلزم اتفاقية الهدنة لبنان بأي من هذه الشروط، وبخلاف اتفاق 17 أيار الذي يقيم مراكز إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية ويمنح جيش الاحتلال حق ملاحقة التهديد المحتمل، تقيم اتفاقية الهدنة ترتيبات أمنية على طرفي الحدود بصورة متوازنة لجهة حجم ونوعية القوى المسلحة التي تقوم الدولة اللبنانية وكيان الاحتلال بنشرها في المناطق الحدودية مع الاحترام الكامل لعدم تجاوز خط الحدود من الفريقين ومعالجة التهديدات عبر لجنة اتصال برعاية الأمم المتحدة يدعمها مراقبون أمميون على طرفي الحدود.

 

لم تكن صدفة أن يستخدم رئيس الجمهورية في كلمته أمام مجلس الوزراء، كما نقلها عنه وزير الإعلام مصطلح إنهاء حالة الحرب التي وردت في اتفاق 17 ايار، ولا يبطل ذلك الحديث عن الانسحاب الإسرائيلي وبسط سيادة الدولة، فقد كان عنوان اتفاق 17 أيار كما عرّف نفسه أنه اتفاق لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، وليست صدفة أن لا يستخدم رئيس الجمهورية مصطلح اتفاق الهدنة والقرارات الدولية، والمطلوب هو الوضوح في القول إن السلطة تنتهك اتفاق الطائف بصيغة التفاوض المباشر تحت شعار إنهاء حال الحرب مع “إسرائيل”، بدلاً من الالتزام بنص الطائف حول الهدنة والقرارات الدولية، فهل تملك السلطة التفويض الكافي لفعل ذلك؟