Beirut weather 22.43 ° C
تاريخ النشر April 24, 2026
A A A
دخول ترامب على خط المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية: فخ أميركي جديد؟..
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في سفير الشمال 

في ظل الانتهاكات الإسرائيلية المتمادية للهدنة قتلًا وتدميرًا واحتلالًا في جنوب لبنان، جاء تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مسار التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل ليطرح أكثر من علامة استفهام حول الأهداف الحقيقية الكامنة خلف هذا التحرك المفاجئ، لا سيما مع نقل الجلسة التمهيدية الثانية بين سفيريّ الطرفين ندى حمادة معوض ويحيئيل ليتر من وزارة الخارجية الأميركية إلى البيت الأبيض وإبداء تفاؤل مفرط بإمكانية الوصول إلى “سلام” سريع.

 

 

 

هذا التفاؤل لا يمكن فصله عن سياق الضغوط المتصاعدة على لبنان. فقرار تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع، مقرونًا بمنح إسرائيل حق “الدفاع عن النفس”، يوحي بفخ أميركي جديد، كونه يمنح غطاءً لاستمرار هذه الاعتداءات تحت توصيف فضفاض يتيح لتل أبيب استكمال مشروعها التوسعي، وخصوصًا في ما يتعلق بفرض المنطقة العازلة جنوبًا.

 

 

هذا الطرح، يلغي عمليا إتفاق 27 تشرين الثاني 2024 الذي يعطي لبنان حق الدفاع عن نفسه، ويتناقض جذريًا مع الأولويات اللبنانية المعلنة، وفي مقدّمها وقف الاعتداءات والاغتيالات، الانسحاب من الأراضي المحتلة، إطلاق الأسرى، عودة النازحين وإعادة الإعمار.

 

 

 

الأخطر في هذا المسار هو محاولة القفز فوق الثوابت اللبنانية، عبر طرح ترامب لقاء مباشر بين رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون ورئيس حكومة الإحتلال بنيامين نتنياهو، خلال فترة الهدنة الجديدة تحت ضغط الاحتلال والاعتداءات.

 

وهو مسار يصطدم برفض سياسي وشعبي واسع، وقد عبّر عنه بوضوح موقف رئيس الجمهورية خلال جلسة مجلس الوزراء أمس لجهة التأكيد أن مجرد الإتصال مع نتنياهو “غير وارد”.

 

 

يبدو أن إدارة ترامب تسعى جديًا إلى فصل المسار اللبناني عن الإطار الإقليمي الأوسع، وخصوصًا عن إيران، بما يؤدي إلى عزل لبنان واستفراده وإضعاف موقعه التفاوضي.

 

وقد تجلّى ذلك في تصريحاته الداعية طهران إلى “وقف دعمها وتمويلها لـحزب الله”، في محاولة واضحة لإعادة رسم التوازنات الداخلية اللبنانية بما يخدم الرؤية الإسرائيلية.

 

 

 

هذا التوجه يتقاطع مع ما أعلنه أيضا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الذي شارك في الجلسة، حول اعتبار وقف إطلاق النار فرصة للوصول إلى “سلام دائم”، وهو توصيف ينطوي على ضغط سياسي على لبنان للانتقال من حالة الصراع مع إسرائيل إلى مسار التطبيع، متجاهلًا جوهر القضية المرتبط بالاحتلال والانتهاكات المستمرة.

 

 

 

 

وبدا موقف روبيو منسجمًا مع الهدف الإسرائيلي الذي لا يقتصر على ترتيبات أمنية مؤقتة، بل يتعداه إلى محاولة إخراج لبنان من معادلة العداء التاريخي إلى معادلة “التعاون”، بما يضفي شرعية على واقع الاحتلال ويحوّله من حالة مرفوضة إلى أمر واقع مقبول أو مُعترف به رسميًا.

 

ويزداد هذا المسار خطورة مع الطروحات الأميركية الداعية إلى دعم الجيش اللبناني في مهمة نزع سلاح حزب الله، في خطوة قد تدفع البلاد نحو مواجهة داخلية مدمرة.

 

 

 

في المقابل، فإن استبعاد حزب الله عن هذا المسار التفاوضي، بالرغم من كونه طرفًا أساسيًا في المعادلة الميدانية، يجعل أي تفاهمات محتملة فاقدة للقدرة على التنفيذ. وقد أعلن الحزب بوضوح رفضه لهذه المفاوضات واعتبارها غير شرعية وغير قانونية، ما يعني أن أي نتائج تصدر عنها ستبقى حبرًا على ورق.

 

 

 

 

إقليميًا، من المتوقع أن يؤدي هذا المسار إلى مزيد من التشدد الإيراني، حيث تربط طهران أي انخراط إيجابي في المحادثات المرتقبة مع الولايات المتحدة، بوقف شامل ونهائي لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية المحتلة. وهو ما يعكس تداخل الساحات واستحالة فصلها بقرارات أحادية.

 

 

 

أمام هذا الواقع، يجد لبنان نفسه أمام مفترق خطير، فإما الانخراط في مسار تفاوضي محفوف بالمخاطر وتحت ضغط الاحتلال، أو التمسك بثوابته الوطنية مع ما يحمله ذلك من تحديات.

 

إلا أن المؤكد أن أي انزلاق نحو مواجهة داخلية، تحت عنوان تنفيذ أجندات خارجية، لن يخدم سوى إسرائيل التي تسعى إلى استثمار الانقسام اللبناني لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.

 

 

ترى أوساط سياسية متابعة أن “ما يجري اليوم ليس مجرد مسار تفاوضي، بل محاولة لإعادة صياغة موقع لبنان ودوره في المنطقة، لذلك فإن المسؤولية الوطنية تقتضي الحذر الشديد، ورفض الانجرار إلى مشاريع تسوية مشبوهة تنتقص من السيادة وتشرّع الاحتلال تحت عناوين مضللة.