Beirut weather 22.18 ° C
تاريخ النشر April 16, 2026
A A A
إسرائيل ترفض وقف عدوانها على لبنان.. هل انتهت مفاعيل جلسة واشنطن؟..
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في سفير الشمال 

عاشت المنطقة يوم أمس ساعات من الارتباك السياسي، حيث تقاطعت مسارات الميدان مع حسابات التفاوض، واختلطت الرسائل الدبلوماسية بالتسريبات الإعلامية، وطغى حصار مضيق هرمز على المشهد الاقتصادي الدولي، ما يعكس عمق الأزمة التي بدأت ترخي بظلالها على الجميع ولا سيما أميركا وإسرائيل.

 

بدت التصريحات الأميركية متناقضة حيال مسألة وقف إطلاق النار في لبنان.

 

 

وتشير المعطيات إلى أن واشنطن مارست ضغوطًا فعلية على تل أبيب لوقف العمليات العسكرية، رفضها “المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر” في اجتماعه الليلي.

 

وهذا ما دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى نفي تدخله بهذا الأمر عبر تسريبات إعلامية، مبديا “ترحيبه بذلك في حال حصوله”، في محاولة واضحة لحفظ ماء وجهه خصوصا أمام المفاوض الباكستاني الذي كان يبذل الجهود من أجل إعادة إحياء المفاوضات بين واشنطن وطهران.

 

هذا التباين لا يعكس فقط إرباكًا في الموقف الأميركي، بل يكشف أيضًا حدود القدرة الأميركية على فرض إرادتها على حكومة بنيامين نتنياهو التي تفتش عن صورة انتصار في لبنان أكثر مما يفتش عنها ترامب في إيران.

 

وكان رئيس حكومة الاحتلال أوحى قبل اجتماع “الكابينت” برفض كل مساعي وقف إطلاق النار. وهو أعطى جيشه الأوامر بإستمرار العمليات العسكرية في الجنوب اللبناني، وصولا إلى تنفيذ الشروط الإسرائيلية الثلاثة: حرية العمل العسكري في لبنان أي استمرار عمليات الاغتيال عندما تتوفر معلومات لذلك، ونزع سلاح حزب الله وانشاء منطقة عازلة في جنوب لبنان للحفاظ على أمن شمال فلسطين المحتلة.

 

 

هذه الشروط تعكس سقفا سياسيًا وعسكريًا يصعب تحقيقه في السياسة كما في الميدان، وتضرب في الوقت نفسه صورة الجلسة اللبنانية الإسرائيلية التمهيدية التي عقدت في واشنطن وتعطل مفاعيلها.

 

قراءة هذا المشهد لا يمكن أن تتم بمعزل عن المسار الأوسع، أي المفاوضات الأميركية –الإيرانية. فطهران تربط بوضوح بين استئناف هذه المفاوضات وبين قدرة واشنطن على إلزام إسرائيل بوقف إطلاق النار في لبنان. وهي بذلك تختبر صدقية الولايات المتحدة كطرف قادر على الالتزام بأي تفاهم مستقبلي.

 

وفي هذا السياق، يصبح الملف اللبناني ورقة ضغط متبادلة، لا يمكن فصلها عن طاولة التفاوض الكبرى، مهما حاول البعض في لبنان فصل المسارين تحت عنوان “السيادة”.

 

من هنا، فإن أي تعثر في المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران سينعكس سلبًا على لبنان، عبر إطالة أمد المواجهة واتخاذها أبعادًا أكثر عنفية، أما في حال حصول اختراق ما، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام تهدئة نسبية.

 

 

لذلك، فإن ما يجري حاليًا من جهود دبلوماسية، بما في ذلك التحركات المكوكية الباكستانية والتحضير لاجتماع محتمل بين الطرفين، يحمل في طياته مؤشرات على محاولة ضبط التصعيد قبل انتهاء مهلة وقف إطلاق النار بعد أسبوع من اليوم.

 

في الميدان الجنوبي، تبدو الصورة مختلفة عمّا تحاول إسرائيل تسويقه، فالعدوان لم يمنحها التفوق الحاسم الذي سعت إليه، بل أظهرت قدرة عالية لدى المقاومة الإسلامية على الصمود والاستنزاف، سواء على مستوى العمليات العسكرية المتنامية وإلحاق الخسائر الجسيمة بالجنود الصهاينة وآلياتهم أو على صعيد التأثير النفسي.

 

هذا الواقع يفسر إلى حد كبير إصرار نتنياهو على مواصلة الحرب، ليس فقط لتحقيق أهداف عسكرية، بل أيضًا للهروب من تداعيات الفشل، حيث يواجه خطرًا حقيقيًا على مستقبله السياسي كونه لم يحقق أهداف الحرب في إيران ولا في لبنان.

 

كذلك، لا يمكن إغفال البعد النفسي في سلوك نتنياهو، خصوصًا في ما يتعلق بجنوب لبنان، وتحديدًا مدينة بنت جبيل، التي لا تزال حاضرة في ذاكرته السياسية والعسكرية منذ 26 عاما ولا سيما خطاب الأمين العام لحزب الله السيد الشهيد حسن نصرالله الذي قال حينها: “إن إسرائيل هي أوهن من بيت العنكبوت”.

هذا البعد يعكس أن قرارات نتنياهو لا ترتبط بحسابات استراتيجية، بقدر ما تتضمن اعتبارات ثأرية، شخصية وتاريخية.

 

في موازاة ذلك، تستمر إسرائيل في الدفع نحو خلق فتنة داخلية في لبنان، عبر الإيحاء المستمر بوجود تقاطع مصالح بينها وبين الحكومة اللبنانية في مواجهة حزب الله والقضاء عليه، وهو رهان يصطدم مجددًا بواقع داخلي أكثر تعقيدًا مما تتصوره تل أبيب.

 

يمكن القول، إن لبنان يقف اليوم عند تقاطع مسارين: مسار ميداني مفتوح على التصعيد، ومسار تفاوضي لم ينضج بعد بفعل الارتباك والتناقضات.

 

وبين هذين المسارين، تبقى المعادلة واضحة: لا فصل بين ملفات الحرب في الشرق الأوسط، ولا حلول جزئية خارج التفاهمات الكبرى.

 

وحتى تتبلور هذه التفاهمات، سيبقى المشهد محكومًا بالتوتر، والتصريحات المتضاربة، ومحاولات فرض الوقائع بالقوة، في انتظار تطورات سياسية قد تعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.