Beirut weather 17 ° C
تاريخ النشر November 8, 2026
A A A
سياسة ترامب للهجرة وسوق العمل… هل يستطيع الديموقراطيون تغيير المسار؟

كتب عبد الرحمن أياس

 

يفتح فوز الديمقراطيين في انتخابات منتصف الولاية الرئاسية الأميركية الباب أمام رقابة أشد على سياسة الهجرة ومحاولات لتعديلها، لكنه لا يضمن وقف الترحيل. وبين تعهد حماية العمال الأميركيين وحاجة الشركات إلى الموظفين، تمتد التداعيات إلى الإنتاج والأجور وتكاليف المعيشة.

 

قد يبدأ الأثر بعامل يتغيب عن ورشة بناء خوفاً من الاعتقال، لكنه لا ينتهي عند أجره المفقود. إذا تعطل المشروع، قد تتراجع حاجة المقاول إلى كهربائي أو مشرف، ويقل إنفاق الأسرة في متجر الحي. هكذا تصبح سياسة الهجرة قضية اقتصادية تتجاوز المهاجرين إلى زملائهم وأصحاب الأعمال والمستهلكين.

 

ومع فوز الديموقراطيين بالأغلبية في الكونغرس، تتسع قدرتهم على مساءلة إدارة الرئيس دونالد ترامب. لكن تحويل الفوز إلى تغيير فعلي يحتاج أكثر من أغلبية برلمانية، خصوصاً أن صلاحياتهم الجديدة تبدأ في كانون الثاني (يناير) 2027.

سياسة تتجاوز الترحيل
وسّعت إدارة ترامب الاعتقالات والإبعاد، وضيّقت بعض مسارات الدخول والبقاء والعمل. وقدّر “معهد سياسات الهجرة” تنفيذ نحو 980 ألف عملية إبعاد وإعادة بين 20 كانون الثاني 2025 و31 تموز (يوليو) 2026.

لكن نحو 69% منها تعلّق بأشخاص اعتُرضوا بدايةً عند الحدود، فلا يصح اعتبار العدد كله عمالاً اقتُلِعوا من وظائف داخل البلاد. وفي المقابل، ارتفع متوسط الإبعاد الناتج عن اعتقالات داخلية إلى نحو 19 ألفاً شهرياً بين أيار (مايو) وتموز، في مقابل ثمانية آلاف في الأشهر الثلاثة الأولى للإدارة.

لا يتطلب خروج العامل من وظيفته ترحيله دائماً. في تشرين الأول (أكتوبر)، ثبّتت وزارة الأمن الداخلي إنهاء التمديد التلقائي لوثائق العمل لفئات محددة عند طلب التجديد، مع استثناءات، ما قد يسبب انقطاعاً عن العمل أثناء الانتظار. ومدّد ترامب أيضاً شرط دفع مئة ألف دولار لاستقدام فئات محددة بتأشيرة “H-1B”، المخصّصة للعاملين الأجانب في وظائف تخصصية داخل الولايات المتحدة، وليس لحامليها كلها.

هل يستفيد العمال الأميركيون؟
شكّل المولودون خارج الولايات المتحدة 19.1% من قوة العمل المدنية في عام 2025. وتشمل الفئة مواطنين متجنسين ومقيمين قانونيين وغيرهم، ولا تضم العاملين من دون تصريح. وقد يدفع نقص العمال الشركات إلى رفع الأجور واستقطاب بدلاء محليين. لكنها قد تقلص الإنتاج أو تؤجل التوسع أو تعتمد الأتمتة، بدلاً من توظيف العدد نفسه.

نقص العمال قد يدفع الشركات إلى رفع الأجور واستقطاب بدلاء محليين، لكنها قد تقلص الإنتاج أو تؤجل التوسع أو تعتمد الأتمتة، بدلاً من توظيف العدد نفسه

في بحث نشره “بروكينغز” في أيلول (سبتمبر)، بلغ التوظيف في 64 مدينة شهدت تكثيفاً للإنفاذ مستوى يقل بنحو 0.43% عن المسار المقدّر في غياب الحملات، بعد ستة أشهر. وعزا الباحثون الأثر الأوسع إلى انسحاب عمال واضطراب الأعمال وضعف الطلب.

 

من نقص العمال إلى فاتورة الأسرة
تظهر الحساسية في الزراعة والبناء والضيافة والرعاية، فتعذر تعويض العمال سريعاً قد يؤخر المحاصيل والمشاريع أو يرفع تكلفة الخدمات. وغياب مقدّم رعاية قد يدفع فرداً من الأسرة إلى تقليص ساعات عمله.

لكن للهجرة تكاليف أيضاً. بينت ورقة عمل منشورة لدى فرع مجلس الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو في تشرين الأول أن تدفقات الهجرة غير النظامية التي درستها رفعت التوظيف المحلي وأسعار المنازل والإيجارات، مع أدلة مختلطة في شأن الضغط على الأجور.

ويشير مكتب الميزانية في الكونغرس إلى أن انخفاض الهجرة يقلص عرض العمالة والإنتاج المحتمل، لكنه يخفض الطلب أيضاً. لذلك، تختلف المحصلة بحسب القطاع والمنطقة والمدة، ولا تعني القيود غلاءً دائماً أو مكاسب مضمونة للعمال جميعاً.

ماذا يستطيع الديمقراطيون تغييره؟
تتيح الأغلبية رئاسة اللجان واستدعاء المسؤولين وفحص الإنفاق والاحتجاز وطرح تشريعات. لكن التحقيق لا يلغي قراراً تنفيذياً بذاته. ويستطيع ترامب استخدام الفيتو، ويتطلب تجاوزه موافقة ثلثي الحاضرين المشاركين في التصويت في كل مجلس، مع توافر النصاب. كذلك يحتاج إنهاء تعطيل معظم التشريعات العادية في مجلس الشيوخ عادةً إلى 60 صوتاً. وفوق ذلك، أُقِر تمويل وكالة الهجرة والجمارك وحرس الحدود حتى السنة المالية 2029، ما يحد من الضغط الفوري عبر الميزانية.

وتستطيع الولايات تقييد بعض التعاون الطوعي مع أجهزة الهجرة، لكنها لا تمنح تصاريح عمل فيدرالية. ويبقى الطعن القضائي مساراً مستقلاً لمراجعة قانونية الإجراءات، لا نتيجة تلقائية لفوز الديمقراطيين.

التعديل ممكن… وليس مضموناً
لا تدعو المقترحات الديمقراطية كلها إلى التراجع عن ضبط الحدود، فإطار “ائتلاف الديمقراطيين الجدد”، وهو تيار داخل الحزب، يجمع أمن الحدود مع إصلاح التأشيرات وتوسيع مسارات العمل النظامية وحماية فئات مستقرة.

وعليه، تبدو الرقابة والتعديلات المحدودة أكثر قابلية للتحقق من إلغاء السياسة كلها، لكن نجاحها يتوقف على التفاوض والأصوات وموقف الرئيس. أما أصحاب الأعمال والأسر، فيحتاجون إلى وضوح يسمح بالتوظيف والاستثمار، بدلاً من انتظار تسوية سياسية لا موعد مضموناً لها.