Beirut weather 24 ° C
تاريخ النشر November 3, 2026
A A A
إسرائيل تلوّح باحتلال مدن الجنوب ومحاصرة المرافئ
الكاتب: زياد سامي عيتاني

كتب زياد سامي عيتاني في “اللواء”:

لم تعد التهديدات الإسرائيلية الموجهة إلى لبنان محصورة في أُطر التحذير التقليدي من ردود عسكرية متناسبة على أي خرق اللهدنة، أو استهداف موجّه للمواقع العسكرية الشريطية على طول الحدود. بل دخلت هذه التهديدات مرحلة أكثر خطورة وتعقيداً، عقب التقرير الموسع الذي نشرته صحيفة «معاريف» الإسرائيلية في الأول من تشرين الثاني الجاري. فقد انتقل الخطاب السياسي والعسكري الإسرائيلي من التلويح بتوسيع النطاق الناري، إلى الدفع بسيناريوهات عملياتية غير مسبوقة، تتضمن التقدم الميداني للسيطرة على مدن لبنانية رئيسية، وفرض حصار بحري محكم على مرفأي بيروت وطرابلس، بالتوازي مع تكثيف العمليات ضد الضاحية الجنوبية للعاصمة.

واللافت في هذه التطورات أن الإعلام العسكري الإسرائيلي بات يربط هذه السيناريوهات المتطرفة بصورة مباشرة باحتمال تجدّد المواجهة الأميركية – الإسرائيلية المباشرة مع إيران، وما قد يرافقها من انخراط حزب الله مجدّداً في قتال ميداني واسع النطاق لنصرة طهران، على غرار ما شهدته المنطقة في الثاني من آذار الماضي. وبذلك، لم يعد لبنان أمام احتمال تكرار مواجهة حدودية محصورة في قضاء أو قطاع جنوبي محدد، بل أضحى يواجه مخططاً متكاملاً يستهدف نقل الحرب إلى قلب الحواضر السكانية والمرافق الاقتصادية السيادية.

لكن التدقيق التحليلي المهني يفرض الفصل الدقيق بين التداول الصحفي لسيناريوهات عسكرية قد تُستخدم ضمن أساليب «الحرب النفسية» والضغط الدبلوماسي، وبين وجود قرار عملياتي نافذ أقرته القيادة السياسية والعسكرية في تل أبيب ودخل مرحلة التنفيذ الميداني الفعلي. غير أن مجرد صياغة هذه الخطط وتداولها ينطويان على مخاطر جيوسياسية كبيرة تتطلب قراءة تفكيكية مستفيضة لأبعادها الميدانية والسياسية.

• احتلال صور وصيدا والنبطية.. سيناريو نقل المواجهة إلى حرب المدن

يحمل ورود أسماء مراكز مدنية وتاريخية كبرى مثل صور وصيدا والنبطية في تقرير «معاريف» دلالات عسكرية وديموغرافية تتجاوز منطق المناوشات الحدودية، وتؤشر على مسعى لكسر قواعد الاشتباك التاريخية:

– النبطية: تُشكّل المركز الإداري والعصب الخدماتي والتجارية للعمق الجنوبي، والسيطرة عليها تعني شلّ القيادة والسيطرة الاجتماعية والميدانية في الإقليم.

– صور: تُعدّ الحاضرة الساحلية الأبرز في القطاع الغربي، ويمثل عزلها أو السيطرة عليها تحكّماً شاملاً بالشرائط الساحلية الممتدة نحو العاصمة.

– صيدا: تعتبر عاصمة الجنوب والبوابة السياسية والاقتصادية والميكانيكية التي تربط المحافظة ببيروت والشوف، واستهدافها يقطع الشريان الشوكي الذي يربط الجنوب بباقي الجغرافيا اللبنانية.

إن التهديد بالتمدد نحو هذه التجمعات السكانية الكبرى يعني عملياً نقل المواجهة من التخوم والقرى الحدودية إلى قلب «حرب المدن والاستنزاف العمراني». ويهدف هذا السيناريو إلى تقطيع أوصال الإمداد والاتصال بين القطاعين الشرقي والغربي للجنوب، وعزل الكتلة السكانية عن الظهير العاصمي. وفي السياق الميداني نفسه، كشفت التقارير عن إعادة تموضع ميداني شمل إخضاع «اللواء 7 المدرع» لتدريبات مكثفة في هضبة الجولان لرفع الكفاءة الجاهزية للقتال في مناطق مأهولة.

ميدانياً، تتكامل هذه التسريبات الصحفية مع واقع عملياتي ساخن على الأرض؛ حيث يشهد الجنوب قصفاً مدفعياً مكثفاً يطال قاطع القرى الحدودية (كالمنصوري، زوطر الشرقية، ميفدون، وحداثا)، فضلاً عن أعمال تفجير منهجية للأحياء السكنية في بلدة عيناتا تحت تحليق لا ينقطع للطيران المسيّر، مما يكشف عن محاولات متواصلة لمسح الجغرافيا وتفريغ المنطقة الحدودية من مقومات الحياة.

إن التوغل في مدن ذات كثافة سكانية مرتفعة لا يمكن تعاطيه كإجراء عسكري بسيط، بل سيتسبب في ضغوط ديموغرافية هائلة وموجات نزوح مليونية تتجاوز أي قدرة استيعابية للدولة اللبنانية، فضلاً عن الكارثة الإنسانية وتدمير البنى التحتية، مما يجعل هذا الطرح وسيلة ضغط حادة لفرض معادلات سياسية واجتماعية جديدة تحت السلاح.

• خنق المرافئ.. استراتيجية الحصار الشامل وشلل الرئة الاقتصادية

تتمثل النقطة الأكثر خطورة فيما أورده تقرير «معاريف» حول استعداد سلاح البحرية الإسرائيلية لتكثيف القصف فرض حصار بحري متكامل على مرفأي بيروت وطرابلس، مع التهديد المتواصل بإخلاء وتدمير المفاصل العسكرية في الضاحية الجنوبية لبيروت (وهو ما تقاطع صراحة مع تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في 14 و21 تشرين الأول الماضي).

إن الانتقال من استهداف مواقع حربية إلى التهديد بعزل المرافئ الرسمية على طول الشاطئ اللبناني، من بيروت وصولاً إلى طرابلس في أقصى الشمال، يمثل تحوّلاً جوهرياً يسعى لتجريد الدولة من آخر منافذها الحيوية للتبادل التجاري، وذلك عبر استغلال الواجهة البحرية للبنان كخاصرة نارية مفتوحة:

– التأثير على الأمن القومي والتجاري: التمييز هنا حاسم بين الاستهداف العسكري التكتيكي وبين الحصار البحري الشامل؛ فالحصار الشامل يمثل عقاباً جماعياً وحرباً اقتصادية طاحنة تطال الأمن الغذائي والدوائي وتتسبب في إرباك حركة استيراد المواد الأساسية لجميع المواطنين دون استثناء.

– التكامل مع الإمدادات الخارجية: يرتبط هذا التصعيد البحري بمسار لافت تمثل في كثافة جشر الإمدادات العسكرية الجوية الأميركية المتجهة نحو القواعد الإسرائيلية، لرفع مستوى الجاهزية والقدرة اللوجستية للتعامل مع سيناريوهات الحرب الشاملة والممتدة.

ورغم غياب الموئل الميداني المستقل الذي يؤكد اتخاذ قرار حتمي ببدء الحصار أو اجتياح المرافئ، فإن إدراج هذه المنشآت الوطنية ضمن سلة الأهداف يرفع منسوب الخطر إلى مستويات قصوى، ويلزم الحكومة اللبنانية والمجتمع الدولي بالتحرك الاستباقي لحماية المرافق السيادية.أخبار لبنان

تقرأ «معاريف» هذه السيناريوهات ضمن سياق الإقليم المعقد، حيث تنظر إسرائيل إلى أي تحرك عسكري لحزب الله بوصفه امتداداً جغرافياً للمواجهة مع طهران، مما يمنح تل أبيب وفق منظورها العسكري المسوغ الكامل لتطبيق استراتيجية الأرض المتبوعة بالحصار البحري الشامل لتوزيع الأعباء على أسلحتها البرية والبحرية والجوية.

وهنا تبرز المعضلة الوطنية اللبنانية في أعتى صورها. إن قرار ربط الساحة اللبنانية بمجريات الصراع الإقليمي لن يقف هذه المرة عند حدود قواعد الاشتباك المعتادة، بل قد يمنح إسرائيل الذريعة والغطاء لتنفيذ سيناريوهات «معاريف» المتمثلة في اقتحام حواضره الكبرى في الجنوب، وشل الشرايين البحرية في العاصمة والشمال.

بين خطط الصحافة الإسرائيلية وقرارات الميدان الحسم، يقف لبنان أمام لحظة مصيرية داكنة؛ تتطلب موقفاً رسمياً وسياسياً جامعاً يسعى لتحييد البلاد ومنع تحويل سيناريوهات احتلال المدن وحصار المرافئ المكتوبة في أروقة التخطيط الإسرائيلي إلى واقع ميداني مفروض يُعيد رسم جغرافيا الوطن وسيادته ووجوده.