Beirut weather 21 ° C
تاريخ النشر October 30, 2026
A A A
لبنان بين مأزق نتنياهو وحسابات ترامب: هل يتحوّل الاحتلال أمراً واقعاً؟

كتب طارق ترشيشي 

 

لم تُنهِ الانتخابات الإسرائيلية أزمة الحكم في تل أبيب، بل فتحت الباب أمام مرحلة من المساومات والاحتمالات التي تتجاوز حدود إسرائيل إلى لبنان وإيران، وصولاً إلى واشنطن التي تستعد لانتخاباتها النصفية في ثلاثاء الأسبوع المقبل. وفيما تتعذّر حتى الآن بلورة أكثرية نيابية تتيح لبنيامين نتنياهو أو منافسه غادي آيزنكوت تشكيل حكومة مستقرة، يواجه لبنان استحقاقاً أكثر إلحاحاً: كيف يمنع تحويل الإنسداد الإسرائيلي غطاء لاستمرار الاحتلال في الجنوب، فيما تتواصل المفاوضات برعاية أميركية وسط خلاف على أولوياتها ومآلاتها؟

لا يبدو أنّ أياً من السيناريوهات الإسرائيلية المطروحة يضمن تبدّلاً سريعاً في المقاربة تجاه لبنان. فنتنياهو يتمسّك بالعودة إلى رئاسة الحكومة، فيما يواجه آيزنكوت صعوبة في جمع مكوّنات معارضته، ولا سيما لجهة تحديد موقف موحّد من إمكان الاستعانة بالأحزاب العربية لتأمين الأكثرية. ومع غياب تسوية واضحة، تبقى احتمالات حكومة وحدة أو ائتلاف ضيّق أو العودة إلى انتخابات جديدة قائمة، بما قد يطيل المرحلة الانتقالية ويبقي نتنياهو رئيساً لحكومة تصريف الأعمال خلال المفاوضات.

وتتداول أوساط سياسية سيناريوهات تربط إصرار نتنياهو على البقاء في السلطة، برغبته في استكمال مشروعه الإقليمي، بما يشمل مواجهة إيران لإسقاط نظامها، والاستفادة من العامين المتبقيين من ولاية حليفه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. كما يُطرح احتمال حصول تفاهم بينه وبين نفتالي بينيت، بدلاً من الشراكة مع آيزنكوت. غير أنّ هذه التصورات لا تزال في إطار التحليل والتكهن، ولا تستند إلى اتفاق معلن. أما الاتهامات التي يطلقها معسكر نتنياهو بشأن تدخّل تركي وقطري في الانتخابات، فلا تبدّل حقيقة أنّ الأزمة الأساسية داخلية، عنوانها العجز عن إنتاج أكثرية متماسكة.

لبنان يرتّب أولوياته التفاوضية

في هذا المناخ، تكتسب المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية أهمية مضاعفة، لأنّها تجري في ظل اختلال واضح في موازين القوة، واستمرار الخلاف على ترتيب الالتزامات المتبادلة. فـ»الإطار» الذي أُعلن في حزيران الماضي، ثم «الاتفاق الإطاري» الذي رحّب به الاتحاد الأوروبي في تموز، وضعا مساراً للتفاوض، يربط تعزيز سيطرة الدولة اللبنانية وحصرية السلاح بيدها بانسحاب إسرائيلي تدريجي، ضمن ترتيبات أمنية ورقابة دولية. لكن المشكلة تكمن في طريقة ترجمة هذه المبادئ إلى خطوات متزامنة، وفي منع تحوّل التفاوض آلية لإدارة الأزمة بدلاً من إنهائها.

وفي هذا السياق، يُلاحظ تراجع حضور الحديث الرسمي اللبناني عن «السلام» مع إسرائيل، لمصلحة التركيز على الانسحاب الإسرائيلي، ووقف الاعتداءات، وبسط سلطة الدولة على كل أراضيها، وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية. ولا يعني ذلك بالضرورة إقفال باب التسوية السياسية، بمقدار ما يعكس محاولة تثبيت الأولويات اللبنانية في مرحلة يخشى فيها لبنان أن تتحوّل المطالب الإسرائيلية الأمنية شروطاً مفتوحة، فيما يبقى الانسحاب مؤجّلاً.

وبحسب أوساط ديبلوماسية، فإنّ نصائح عربية، بينها نصائح من تركيا، تشجّع لبنان على التمسك بخطاب يضع السيادة والانسحاب واستعادة سلطة الدولة في المقدّمة، وتجنّب الانتقال المبكر إلى نقاش التطبيع أو السلام الشامل قبل معالجة الوقائع الميدانية. وتكتسب هذه المقاربة أهميتها من أنّ أي انزلاق إلى نقاش سياسي واسع، قبل ضمان الانسحاب ووقف الاعتداءات، قد يثير انقسامات داخلية ويُضعف الموقف التفاوضي اللبناني.

لكن التحدّي لا يقتصر على اللغة المستخدمة. فلبنان يحتاج إلى جدول زمني واضح للانسحاب، وآلية موثوقة للتحقق من التزامات الطرفين، وضمانات تمنع ربط الانسحاب إلى أجل غير محدّد باستكمال إجراءات أمنية لبنانية. وقد شدّدت السلطة اللبنانية في مواقفها المعلنة، على ضرورة السير في مساري الانسحاب الإسرائيلي وحصرية السلاح بالتوازي، وعدم السماح بأن يتحوّل الإطار التفاوضي إلى مجرد إدارة للنزاع.

الجنوب رهينة الحسابات الإسرائيلية؟

هنا تكمن المخاوف اللبنانية الأساسية. فإذا عاد نتنياهو إلى رئاسة الحكومة، واستمر النهج القائم على ربط الانسحاب بتغييرات أمنية داخل لبنان، فقد يجد الجنوب نفسه أمام احتلال مفتوح زمنياً، وهو الاحتمال الذي سبق للئيس السابق للحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط أن حذّر منه. أما إذا تشكّلت حكومة برئاسة آيزنكوت أو ائتلاف أوسع، فلن يكون ذلك ضماناً تلقائياً لتغيير السياسة الإسرائيلية، لأنّ الخلافات الحزبية لا تلغي استمرار الاعتبارات الأمنية والعسكرية التي تحكم الموقف من لبنان.

ويزداد المشهد تعقيداً مع اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية. فإذا خسر الجمهوريون السيطرة على أحد مجلسَي الكونغرس أو كليهما، فقد تتراجع قدرة ترامب على التحرّك بحرّية في ملفات خارجية حساسة، ومنها احتمال توجيه ضربة جديدة إلى إيران. أما احتفاظ الجمهوريين بالغالبية، فلا يعني أنّ المواجهة العسكرية ستصبح حتمية، لكنه قد يمنح الإدارة الاميركية هامشاً سياسياً أوسع. وفي كل الحالات، ستبقى أي ضربة لإيران مرتبطة بحسابات الردّ والتصعيد الإقليمي، وبمدى استعداد واشنطن لتحمّل تبعات مواجهة مفتوحة.

وبالنسبة إلى لبنان، لا تكمن المسألة في انتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية أو الأميركية فحسب، بل في منع تحوّل الانتظار واقعاً دائماً على الأرض. فالمطلوب هو أن تقترن المفاوضات بضمانات واضحة للانسحاب ووقف الاعتداءات، وبخطة قابلة للتنفيذ، لتعزيز قدرات الجيش اللبناني وبسط سلطة الدولة، بما يتيح عودة الأهالي النازحين وإعادة الإعمار واستعادة الاستقرار.

وفي المحصلة، يقف لبنان أمام معادلة دقيقة: لا يستطيع التعويل على تغيير الحكومة الإسرائيلية لإنهاء الاحتلال، ولا يمكنه تجاهل أثر التوازنات الأميركية في تحديد مسار المواجهة مع إيران والمنطقة. وبين حسابات نتنياهو وطموحات ترامب ونصائح العواصم الإقليمية، يبقى الاختبار الحقيقي قدرة الدولة اللبنانية على تثبيت أولوياتها السيادية، بحيث لا يصبح الانسحاب بنداً مؤجّلاً إلى أجل غير مسمّى، ولا تتحوّل المفاوضات غطاء لاستمرار الأمر الواقع في الجنوب.