Beirut weather 24 ° C
تاريخ النشر October 27, 2026
A A A
جريمة الكرك: إنذار لحماية مناعة الدولة

كتب صلاح سلام 

 

 

لم تكد جريمة استهداف الكنيسة في الكرك تثير هواجس الفتنة، وتفتح الباب أمام محاولات استغلال الدم لتسميم العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، حتى جاء التحرك الأمني الأردني السريع، بكشف المتورطين وتوقيفهم، ليؤكد أن يقظة الدولة قادرة على إحباط مخططات الإرهاب قبل أن تتحول إلى شرخ في جسد المجتمع.

 

المسألة لا تتعلق فقط بكفاءة الأجهزة الأمنية في ملاحقة الجناة، على أهميتها، بل أيضاً بإفشال الرهان على تحويل الجريمة إلى أداة لضرب التعايش الوطني وتشويه الإسلام، في منطقة تتشابك فيها الحسابات الأمنية والسياسية والدينية، وتُستغل فيها المآسي أحياناً لتغذية الانقسامات وإعادة رسم العداوات.

 

إن استهداف دور العبادة جريمة مدانة بكل المعايير الإنسانية والأخلاقية والدينية، ولا يمكن تبريرها تحت أي شعار أو ذريعة. فالإسلام، في جوهر رسالته، يدعو إلى العدل والرحمة وصون كرامة الإنسان، ويؤكد مبدأ التعايش واحترام الآخر. وقد عاشت جماعات مسيحية ويهودية، في مراحل متعددة من تاريخ المنطقة، في مجتمعات إسلامية، وأسهمت في بناء حضارتها وثقافتها واقتصادها. صحيح ان العلاقة بين أتباع الأديان لم تكن دائماً خالية من التوتر أو الظلم، لكنها بقيت تحمل إرثاً طويلاً من التفاعل المشترك، لا يجوز اختزاله في صور التطرف والعنف.

 

 

ومن هنا، تبرز خطورة الجرائم الإرهابية التي تستهدف المسيحيين أو غيرهم من المواطنين، فهي لا تضرب الضحايا وحدهم، بل تستهدف النسيج الوطني، وتسعى إلى زرع الشك والكراهية بين أبناء المجتمع الواحد. كما تمنح، عن قصد أو من دونه، فرصة لتعميم الاتهام ضد الإسلام، بدلاً من محاسبة الجناة على أفعالهم الإجرامية.

 

إن أخطر ما تواجهه الدول العربية اليوم ليس الإرهاب بوصفه عملاً إجرامياً معزولاً فحسب، بل احتمال تحوله إلى شرارة لفتن داخلية تعيد تفكيك المجتمعات من داخلها، وتستنزف الدول في صراعات طائفية ومذهبية، فيما تتقدم مشاريع الهيمنة والاحتلال على حساب أمن المنطقة وسيادتها.

 

إن ما جرى في الكرك يجب أن يُقرأ باعتباره إنذاراً يستوجب اليقظة، لا مناسبة للاطمئنان وحده. فسرعة كشف الجناة وتوقيفهم إنجاز أمني مهم، لكنها لا تغني عن تفكيك البيئات التي يتغذى منها التطرف، وملاحقة خطاب التحريض، وقطع الطريق على كل من يسعى إلى توظيف الدم لإشعال العداوات بين أبناء الوطن الواحد. فالدول لا تُستنزف دائماً من حدودها، ويبدأ انهيار مناعتها حين يفقد مواطنوها الثقة بعضهم ببعض، وحين يصبح الاختلاف الديني وقوداً للصراع، بدلاً من أن يكون جزءاً من النسيج الاجتماعي. وهذه هي اللحظة التي ينبغي أن يدرك فيها من يعنيهم الأمر أن حماية الوحدة الوطنية ليست خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل، بل شرطاً لبقاء الدولة نفسها.