Beirut weather 29 ° C
تاريخ النشر October 22, 2026
A A A
سؤال نتنياهو بين خطر الخسارة والحرب؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

يتقدم سؤال الحرب على إيران إلى قلب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من تشرين الأول. فبنيامين نتنياهو يلوّح بضربة استباقية وبالقدرة على التحرك دون موافقة أميركية، بينما تتكاثر الإشارات إلى حرص واشنطن والقيادة العسكرية الإسرائيلية على منع مواجهة تؤثر في الاقتراع أو تؤجله. وبين تأييد دونالد ترامب لنتنياهو انتخابياً، وتحفظه عن منحه حرية توقيت الحرب، تظهر معادلة تستحق القراءة، الدعم السياسي قد يؤدي وظيفة احتواء الحليف، وإبقائه داخل حدود القرار الأميركي، في اللحظة التي يصبح فيها التصعيد أحد خيارات إنقاذ مستقبله.

في الثالث عشر من تشرين الأول، نشرت «أكسيوس»، تفاصيل مناقشة بين رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير ورئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال دان كاين، حول احتمال استئناف القتال الواسع مع إيران خلال الأسابيع الثلاثة التالية. وتناول التقرير معضلة توقيت الهجوم قبل الانتخابات، وإمكان ظهوره مناورة سياسية لنتنياهو تمس ثقة الجمهور بالجيش. أهمية الواقعة أن بحث الحرب جرى بين القيادتين العسكريتين مقروناً بأثرها الانتخابي، ما يضع القرار تحت رقابة مهنية تتجاوز رغبة رئيس الحكومة.

وفي الثامن عشر من تشرين الأول، رفع نتنياهو سقف خطابه، معلناً أن الأهداف التي وضعها لا تعتمد على الموافقة الأميركية، وأن “إسرائيل” ستعمل بصورة مستقلة إذا اقتضت الضرورة. وجاء الكلام بالتزامن مع تقديم عقيدة أمنية تتبنى الضربات الاستباقية. في هذا التوقيت، يصبح إعلان الاستقلال عن واشنطن رسالة مزدوجة، إلى الناخب الإسرائيلي الذي يريد نتنياهو إقناعه بأنه صاحب القرار، وإلى الإدارة الأميركية التي يلوّح أمامها بقدرته على خلق وقائع عسكرية تفرض عليها التعامل مع نتائجها.

بعد يوم واحد، عقد زامير اجتماع تقدير موقف متعدد الجبهات، شارك فيه رؤساء العمليات والاستخبارات وقادة المناطق العسكرية. وأعلن الجيش رفع الجاهزية ووقف إجازات الجنود ابتداءً من الخميس، مع تعزيز الانتشار، لضمان إجراء الانتخابات بأمان وفي موعدها. تثبيت الموعد الانتخابي ضمن المهمة العسكرية يحمل دلالة واضحة؛ فالجيش يعلن مسؤوليته عن حماية الاستحقاق من الاضطرابات الأمنية، ويضع استمرار العملية الديمقراطية ضمن حساباته العملياتية في أسبوع تتصاعد فيه لغة التهديد بالحرب.

وتزامن ذلك مع زيارة وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث إلى “إسرائيل” ولقائه نتنياهو ويسرائيل كاتس في قاعدة عوفدا يوم الاثنين التاسع عشر من تشرين الأول. الزيارة، وسط التحضير العسكري والتوتر مع إيران، تفتح احتمالين متداخلين، تنسيق الاستعداد لأي مواجهة، وفي قراءة نشرتها «إسرائيل هيوم» في الحادي والعشرين من الشهر، برز ترامب وزامير بوصفهما عاملين يكبحان استئناف الحرب، رغم الدعم السياسي الذي يمنحه الرئيس الأميركي لنتنياهو.

أما العبارة الأكثر مباشرة، فنقلها موقع «أكسيوس» عن مسؤول إسرائيلي، يقول إن زامير لن يسمح بنشاط عسكري غير مبرر يقوّض انتخابات السابع والعشرين من تشرين الأول. وتتصل هذه الرسالة بما كتبه عاموس هرئيل، ونقلته «الشرق الأوسط»، عن بحث محيط نتنياهو احتمال «مفاجأة أكتوبر» الأمنية. ربط هرئيل ذلك بوضع الليكود غير المشجع في الاستطلاعات، وبإمكان استخدام حالة طوارئ لتغيير الموازين أو تأجيل الانتخابات، معتبراً أن خسارة السلطة تحمل لرئيس الحكومة أخطاراً شخصية وسياسية تتجاوز خسارة حزبه مقاعد نيابية.

وتكشف الأرقام حجم الحساسية تجاه الدوافع. فقد نقل «جويش إنسايدر»، في الحادي والعشرين من تشرين الأول، عن شموئيل روزنر، الذي يجري استطلاعات للقناة الثالثة عشرة، أن 47% لا يثقون بنوايا الحكومة إذا هاجمت إيران قبل الانتخابات، مقابل 33% يثقون بها. وشرح روزنر الفارق بين الرد على هجوم إيراني وبين مبادرة “إسرائيل” إلى الحرب؛ ففي الحالة الثانية تتقدم الشبهة الانتخابية. بذلك يصبح التصعيد مخاطرة قد تحشد بعض الناخبين، لكنها قد تعمق أيضاً الاعتقاد بأن نتنياهو يستخدم الأمن للبقاء في السلطة.

هنا يمكن فهم تأييد ترامب ضمن حساب أوسع من الرغبة بفوز حليفه. فالدعم العلني يمنح نتنياهو مادة انتخابية، ويطمئنه إلى استمرار العلاقة، ويخفف حاجته إلى افتعال أزمة لإثبات مكانته الأميركية. وفي المقابل، تحتفظ واشنطن بحق الاعتراض على توقيت الحرب، لما تحمله من مخاطر على الطاقة والانتخابات الأميركية. بالجمع بين المديح والكبح والعمل على تضييق هامش اندفاعه العسكري.

المشهد يوحي إذن بتقاطع بين القيادتين العسكريتين الأميركية والإسرائيلية على منع تحويل قرار الحرب إلى وسيلة انتخابية. أساس هذه القراءة هو الاتصال بين زامير وكاين، والتشديد على موعد الاقتراع، والتحذير من النشاط غير المبرر، وزيارة هيغسيث. وكلما تضيق فرص نتنياهو في تأمين الحكم، تزداد أهمية هذه القيود. فالمعركة الجارية تتصل أيضاً بمن يحدد ضرورة الحرب وتوقيتها، مؤسسات تحسب الكلفة والنتائج، أم رئيس حكومة يبحث عن حدث كبير يعيد ترتيب أوراق بقائه؟