Beirut weather 24 ° C
تاريخ النشر October 14, 2026
A A A
الحزب يباغت محاصريه بهجمة مرتدة!

كتب عماد مرمل:

بينما كان البعض في لبنان والخارج واثقاً في أنّ «حزب الله» انتهى أو يكاد، أتى إعلان رئيس مجلسه التنفيذي عن مشروع الإيواء على مراحل عدة، أشبه بهجمة مرتدة، أسفرت عن تسجيل هدف مباغت في مرمى الفريق الآخر، من دون أن يعني ذلك أنّ المباراة انتهت، في انتظار ما ستحمله الأشواط الإضافية.

ينطوي إعلان «حزب الله» رسمياً عن آلية دفع أموال للإيواء إلى النازحين والمتضررين الذين دُمّرت منازلهم جراء العدوان الإسرائيلي، على دلالات ورسائل عدة، ربطاً بطبيعة هذه المرحلة وظروفها.

وليس خافياً أنّ المعركة على «البيئة» هي جزء أساسي من المواجهة التي تدور بين الحزب من جهة وأعدائه وخصومه من جهة أخرى، في اعتبار أنّ الحاضنة الشعبية تشكّل عاملاً أساسياً من عوامل قوة الحزب واستمراريته.

من هنا، جرت محاولات كثيرة في السابق لاستمالة او استقطاب «البيئة الحاضنة»، عبر الحملات الإعلامية والدعائية والحروب النفسية المدروسة، سعياً إلى تأليبها على الحزب او إيجاد شرخ بينها وبينه.

وبعد اغتيال السيد حسن نصرالله بكل ما يحمله من رمزية وكاريزما، والضربات التي تعرّض لها الحزب في سياق الحرب الإسرائيلية، بالترافق مع تحميله مسؤولية حربي 2024 و 2026، هناك في الخارج والداخل من افترض أنّ شعبيته الكبيرة في الطائفة الشيعية بدأت في التآكل، وأنّ الظرف بات مناسباً أكثر من أي وقت مضى، لدفع جمهوره إلى الإنسلاخ عنه.

وقد أتى تشديد الحصار المالي والعقوبات الأميركية على الحزب ومؤسساته، في الفترة الأخيرة، ليعزز اقتناع المعادين له، خصوصاً واشنطن، بأنّ إحدى أهم عناصر جاذبيته تضعف تدريجياً، وأنّ الشرايين التي تربطه بحاضنته الشعبية دخلت في طور التجفيف، ما سيؤدي تباعاً إلى أن ينفضّ من حوله كثيرون ممن كانوا يحصلون على خدماته، وفق الاستنتاجات الأميركية.

وبمعزل عن سوء التقدير في فهم طبيعة العلاقة بين الحزب وجزء كبير من جمهوره، والمستندة إلى دوافع عقائدية وثقافية بالدرجة الأولى، رمى الحزب «قنبلة» مدوّية، عبر خرقه للحصار الفولاذي المضروب عليه وتأمينه مبالغ وازنة بالدولار الأميركي لإيواء النازحين، ما شكّل مفاجأة لواشنطن، التي اتهمت الحزب عبر وزارة خارجيتها بترويج روايات مزيفة، مؤكّدة أنّ إيران تنهار اقتصادياً والأموال غير موجودة.

لكن رئيس المجلس التنفيذي في «حزب الله» الشيخ دعموش، أطل أمس في مؤتمر صحافي، شارحاً تفاصيل آلية تسديد تلك الأموال، التي ما كان الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم ليعلن عنها أصلاً في خطابه الأخير، لو لم تكن قد وصلت فعلاً إلى عنوانها وانتهى الأمر.

ومن شأن هذا «المصل المادي» الذي سيسري في عروق آلاف العائلات، أن يرتّب المفاعيل الآتية:

ـ توجيه الحزب رسالة إلى من يهمّه الأمر، بأنّه لا يترك ناسه مهما اشتدت الضغوط وقست العقوبات، وأنّه مصمم على اجتراح المعجزات من أجل مساعدتهم وتعزيز صمودهم، منعاً لإيجاد خاصرة رخوة في جبهته الداخلية.

ـ تجديد ثقة البيئة الحاضنة في الحزب وتعزيز التفافها حوله في مواجهة محاولات إضعافه ونزع سلاحه، ومساعي فصلها عنه وتحريضها عليه، خصوصاً أنّ الآخرين على المستويين الرسمي والدولي، لم يفعلوا شيئاً لتقديم العون اليها.

ـ إحراج الأميركيين الذين تعرّض حصارهم الحديدي المفروض على إيران والحزب إلى الاختراق، ما سيطرح تساؤلات في دوائر واشنطن وحلفائها اللبنانيين، حول سرّ نجاح الطرفين في التحايل عليه.

ـ توقّع أن تعمد الولايات المتحدة إلى شدّ الخناق أكثر فأكثر على الحزب و«اقتصاد الظل» المرتبط به، سعياً إلى إقفال ممرات تسرّب الدعم والمساعدات.

– وضع السلطة اللبنانية في موقف حساس، إذ هي تريد إنهاء أدوار «حزب الله» خارج الدولة، ومن ضمنها تلك المالية. لكنها غير قادرة في الوقت نفسه على تأمين البدائل لناسه، بسبب تواضع إمكاناتها، وعدم وجود قرار سياسي خارجي بمنحها الدعم المادي النوعي قبل نزع السلاح، علماً أنّ هناك من يشير إلى انّ الحنكة السياسية كانت تقتضي أن تبادر السلطة بمساعدة حلفائها الإقليميين والدوليين، إلى تأمين الإيواء والتعويضات للنازحين والمتضررين، حتى تسحب البساط من تحت أقدام الحزب، وتثبت لبيئته أنّها تستطيع أن توفر لها البدائل في كنف الدولة، الأمر الذي لم يحصل. ما عزّز سردية الحزب في أوساط مناصريه وربما خارجها. مع الإشارة إلى أنّ اجتماع رئيس الحكومة نواف سلام أمس مع وفد من كتلتي «الوفاء للمقاومة» و«التنمية والتحرير»، للبحث في ملف إعادة الإعمار، وتأكيده أمامه أنّ مشاريع بقيمة نحو 70 مليون دولار ستدخل التلزيم قبل نهاية السنة، إنما يعكسان مسعى لدى سلام للاستدراك ولو ضمن الحدّ الأدنى الممكن.