Beirut weather 22 ° C
تاريخ النشر October 13, 2026
A A A
البعثة الأوروبية إلى لبنان.. استعادة دور أم مواجهة التفرد الأميركي؟..
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في سفير الشمال 

لم يكن قرار مجلس الاتحاد الأوروبي بإنشاء بعثة جديدة لدعم المؤسسات الأمنية والعسكرية في لبنان لمدة ثلاث سنوات، مجرد خطوة تهدف إلى تعزيز قدرات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بل حمل أبعاداً سياسية تتصل بمستقبل الحضور الأوروبي في لبنان، في ظل اقتراب انتهاء ولاية قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل”، وتصاعد التباينات حول طبيعة الترتيبات الأمنية التي ستليها.

 

تدرك أوروبا أن مغادرة “اليونيفيل”، إذا حصلت من دون إيجاد صيغة دولية بديلة، قد تفتح الباب أمام تغييرات ميدانية وسياسية تسعى إسرائيل إلى فرضها بدعم أميركي، بما يتيح لواشنطن وتل أبيب الإمساك بمفاصل القرار الأمني في الجنوب، بعيداً عن أي دور دولي مستقل أو متعدد الأطراف.

يمكن قراءة القرار الأوروبي باعتباره محاولة لاستعادة دور لبروكسل في لبنان، وعدم ترك الساحة اللبنانية حكراً على الإدارة الأميركية، خصوصاً أن البعثة الجديدة، بما تتضمنه من ركيزتين عسكرية ومدنية، لا تقتصر مهامها على تدريب الجيش على أمن الحدود ومكافحة التهريب، بل تشمل أيضاً دعم قوى الأمن الداخلي وتعزيز قدرات مؤسسات الدولة.

 

في المقابل، يتمسك العدو الإسرائيلي بترتيبات أمنية تقوم على التنسيق المباشر مع الجيش اللبناني تحت المظلة الأميركية، بما يتيح له التعامل مع لبنان وفق الشروط التي يريد فرضها، بعيداً عن وجود قوة دولية قد تشكل إطاراً لمراقبة التطورات الميدانية أو الحد من حرية حركته.

وتحظى هذه المقاربة بدعم أميركي واضح، في إطار سعي واشنطن إلى التفرد في إدارة الملف الأمني، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة وجود اتفاق معلن بين الولايات المتحدة والكيان على رفض البعثة الأوروبية تحديداً.

 

وتكمن خطورة هذا المسار في احتمال تحويل الجيش اللبناني إلى طرف في ترتيبات مباشرة مع إسرائيل، والضغط عليه وعلى السلطة اللبنانية للدخول في مواجهة مع المقاومة، بدلاً من أن يبقى دوره محصوراً في حماية السيادة الوطنية وتطبيق القرارات الدولية، ضمن مهمات تحظى بقبول لبناني وتحفظ التوازنات القائمة وتراعي الحساسيات الداخلية بما يحول دون تهديد الاستقرار.

لا يتوقف نجاح المسعى الأوروبي عند قرار إنشاء البعثة، بل يرتبط بقدرة الاتحاد الأوروبي على تحويله إلى حضور فعلي، في ظل التعقيدات المحيطة بمستقبل “اليونيفيل” والتباينات الدولية بشأن الجهة التي ستشرف على المرحلة المقبلة، ما يُبقي الترتيبات الأمنية في الجنوب مفتوحة على احتمالات عدة.

في غضون ذلك يبقى لبنان معنياً بمنع تحويل انتهاء ولاية “اليونيفيل” إلى فرصة لفرض وقائع جديدة تتجاوز سيادته ومصالحه، والتمسك بدور دولي فاعل لا يخضع حصراً لحسابات واشنطن وتل أبيب. وقد جاء ترحيب رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون بالقرار الأوروبي ليؤكد هذا المسار، إذ اعتبر أنه يشكل تعبيراً عن الثقة بالدولة والجيش.

هذه التطورات تطرح تساؤلاً أساسياً حول كيفية تعامل الولايات المتحدة مع محاولة أوروبا استعادة دورها في لبنان، فهل ستقبل بشراكة دولية تحدّ من تفردها بإدارة الملف اللبناني، أم ستسعى إلى عرقلة البعثة عبر ممارسة ضغوط سياسية ودبلوماسية على الدول التي يمكن أن تشارك فيها، أو استخدام الفيتو ضد مشاركة بعضها، وصولاً إلى تعطيل تشكيلها أو الحد من فاعليتها؟..