Beirut weather 22 ° C
تاريخ النشر October 13, 2026
A A A
القانون حدّد مهماتها وأُولاها دراسة أسباب ارتفاع الأسعار: «لجنة المؤشّر» تُدار ضدّ العمال!

كتب ماهر سلامة 

 

في الاجتماع الأخير للجنة المؤشر، انتهى النقاش إلى معادلة جديدة لبدل النقل عبارة عن كلفة خمسة ليترات من البنزين عن كل يوم عمل، على أن تتحرك القيمة مع متوسط سعر المحروقات، ضمن سقف أدنى يبلغ 500 ألف ليرة يومياً وأقصى يبلغ 800 ألف ليرة. وبقي الحد الأدنى للأجور على جدول الاجتماعات اللاحقة، إلى جانب تعويضات نهاية الخدمة، فيما رُفعت التعويضات العائلية. أي إن «لجنة المؤشر»، كما باتت تعمل في السنوات الأخيرة، تنشغل أساساً بالفكرة الآتية، كم يجب أن يحصل العامل بعدما ترتفع الأسعار؟

 

لكن ليس هذا هو السؤال الذي أُنشئت اللجنة للإجابة عنه وحده. حتى اسمها، الذي بات يُستخدم اليوم مرادفاً للجنة تصحيح الأجور، يخفي وظيفة أوسع بكثير. فالمرسوم الرقم 4206 الصادر في آب 1981، والذي أنشأ «لجنة مؤشر الغلاء»، حدّد أربع مهمات لها:

 

– درس تطور الأسعار وأسباب ارتفاعها.

 

– رصد الغلاء وإعداد مؤشر دوري لتقلبات الأسعار.

 

– درس الأرقام القياسية لغلاء المعيشة الصادرة عن إدارة الإحصاء المركزي.

 

– ثم درس سياسة الأجور وتقديم المقترحات والتوصيات الآيلة إلى مكافحة الغلاء والحد من ارتفاع الأسعار.

كل حرف وترتيب في هذه المهمات ليس تفصيلاً. فالأولوية لدرس الأسباب، ثم تأتي الأجور في آخر السلسلة خلافاً لما يحصل اليوم في النقاشات التي تدور في هذه اللجنة. إذ قرّر المعنيون قلب الترتيب والتغاضي عن الأساسيات. فلا تجتمع اللجنة إلا بعد أشهر وسنوات على ارتفاع الأسعار وتحقق الخسارة في القوّة الشرائية للأجور، ولا تناقش سوى زيادة الحدّ الأدنى للأجور أو في بدل النقل ومنح التعليم. هكذا تحولت هيئة يفترض أن تراقب الغلاء وتناقش أسبابه إلى هيئة تتعامل مع ما يخلّفه الغلاء بعد وقوعه.

 

من يدرس أسباب ارتفاع الأسعار؟

إذا كانت أولى مهمات اللجنة «درس تطور الأسعار وأسباب ارتفاعها»، فإن هذا لا يعني أن يقتصر الأمر على مراقبة أرقام التضخم، إنما يتضمن بشكل جوهري البحث في أسباب ارتفاع الأسعار وتحييد ما هو مستورد منها وهو محلي، وتحديد مصدر الارتفاع سواء أكان يتعلق بتغيرات في سعر الصرف أم بزيادة كلفة الطاقة والنقل، أم زيادة هوامش الربح الداخلية، أم حتى الضرائب والرسوم، أم أي خلل في سوق معينة.

 

ما يؤكده المرسوم نفسه عندما يكلّف اللجنة، في المهمة الرابعة، هو تقديم مقترحات وتوصيات «لمكافحة الغلاء والحد من ارتفاع الأسعار». فإذا كان ارتفاع كلفة النقل هو الذي يدفع أسعار السلع إلى الأعلى، يصبح السؤال متعلقاً بالنقل والطاقة، وإذا كان سبب الزيادة احتكاراً أو ضعفاً في المنافسة، تصبح المعالجة في مكان آخر، وإذا كانت ضريبة معينة تنتقل مباشرة إلى أسعار الاستهلاك، فمن وظيفة النقاش الاجتماعي أن يبيّن أثرها قبل الاكتفاء بتعويض جزء منها في الأجر. وربما تكون هناك أسباب متداخلة من بين كل ما ذكر جميعاً، وهذا ما يفرض الحذر والجديّة في التوصيف لتقديم العلاج.

 

كل هذا النقاش غائب بالكامل في اللجنة، بل يُختزل الأمر بالنقاش في رفع الحدّ الأدنى للأجور. يصرّ آخرون على رفعه، ويرفض آخرون، وهذا ما يحوّل النقاش من كيفية منع خسارة القوة الشرائية، إلى تعويض الخسارة بعدما تحدث. والفرق بين الأمرين، هو الفرق بين سياسة للأجور والأسعار، وبين إدارة مستمرّة للأزمة. وهو بالضبط ما ينطبق على عمل لجنة المؤشّر التي لم تخرج من وضعية الأزمة وإدارتها بعكس مهماتها الفعلية.

صحيح أن اللجنة استمعت، في بعض اجتماعاتها، إلى أرقام إدارة الإحصاء المركزي. ففي اجتماع عام 2022 مثلاً، عرضت الإدارة تطور الأسعار ومعدلات التضخم أمام الأعضاء، إلا أن النقاش انتقل سريعاً إلى الرقم الذي يمكن أن تتحمله المؤسّسات وأن يحصل عليه العمال. المشكلة، إذاً، ليست في غياب الأرقام بالكامل، بل في وظيفة الأرقام نفسها. حيث تُستخدم مدخلاً لمساومة على الأجر، فيما يفترض أن تكون مدخلاً لسياسة أوسع تتعامل مع الأسعار قبل أن تتحول كلها إلى خسارة يتحملها العامل.

 

لجنة لا تنتج أي مؤشّر

المهمة الثانية للجنة أكثر وضوحاً، «رصد قضية الغلاء وإعداد مؤشّر دوري لتقلبات الأسعار». أما الثالثة، فهي درس الأرقام القياسية لغلاء المعيشة الصادرة عن إدارة الإحصاء المركزي. أي إن المشرّع لم يتعامل مع الرقم القياسي للأسعار كرقم نهائي يُسلَّم إلى اللجنة، بل جعل من صلب عملها مناقشة المؤشر نفسه ومدى تعبيره عن كلفة المعيشة.

 

في لبنان أصبحت عملية التصحيح في السنوات الأخيرة أقرب إلى سلسلة من التسويات المنفصلة

 

 

وهذه وظيفة أكثر أهمية اليوم مما كانت عليه في 1981. فمؤشّر أسعار المستهلك لا يقول بالضرورة كيف تغيّرت كلفة معيشة الأسر، إنما هو يدرس سلّة من السلع بأوزان محددة. وإذا تغيّر نمط إنفاق الأسر جذرياً، أو أصبحت الكهرباء والنقل والإيجار تستحوذ على حصة أكبر من الدخل على سبيل المثال، يصبح النقاش في الأوزان وفي تمثيل المؤشر للواقع جزءاً أساسياً من أي سياسة أجور جدية. وهذا جزء من الدور المحدد للجنة، أي دراسة هذا المؤشّر، للتأكد من تعبيره عن الوضع الحقيقي لاستهلاك الأسر.

 

وهنا أيضاً تعود العلاقة مع قانون 36 الصادر عام 1967. فهذا القانون أجاز للحكومة تحديد الحد الأدنى للأجور ونسبة غلاء المعيشة «كلما دعت الحاجة»، لكنه ربط ذلك بالدراسات وجداول تقلبات أسعار كلفة المعيشة، وفرض إعداد هذه الدراسات والجداول مرة كل سنتين على الأقل. أي إن تصحيح الأجور لم يكن، في الأصل، قراراً منفصلاً عن عملية دورية لقياس كلفة المعيشة. الذي حصل لاحقاً هو أن بقيت نتيجة العملية، أي تعديل الأجر، فيما تراجعت العملية نفسها إلى الخلف.

 

سياسة الحدّ الأدنى

حتى في ملف الأجور نفسه، لا يقول المرسوم إن مهمة اللجنة تقتصر على تحديد «الحد الأدنى»، فالنص يتحدث عن درس سياسة الأجور. الحد الأدنى هو رقم واحد يمثل الأرضية القانونية للأجر، أما سياسة الأجور، فتتعلق بعلاقة الأجر بالأسعار والإنتاجية والتقديمات الاجتماعية والشرائح المختلفة من العاملين وآلية التصحيح ودوريته.

هذا قريب أيضاً مما تعتمده منظمة العمل الدولية في مقاربة الحد الأدنى. فاتفاقية تحديد الحد الأدنى للأجور الرقم 131، التي صدّق عليها لبنان عام 1977، تقول إن تحديد المستوى يجب أن يأخذ في الحسبان حاجات العمال وعائلاتهم، والمستوى العام للأجور، وكلفة المعيشة، وتقديمات الضمان الاجتماعي، ومستويات المعيشة النسبية، إلى جانب العوامل الاقتصادية ومنها الإنتاجية والتشغيل. كما تنص على وجود آلية تسمح بتعديل الحد الأدنى من وقت إلى آخر.

 

أما في لبنان، فقد أصبحت عملية التصحيح في السنوات الأخيرة أقرب إلى سلسلة من التسويات المنفصلة. في آذار 2023 مثلاً، خرج اجتماع لجنة المؤشر برفع الحد الأدنى إلى 9 ملايين ليرة وبدل النقل إلى 250 ألف ليرة عن يوم الحضور. وفي أيلول 2026 عاد النقاش نفسه تقريباً، مع حد أدنى وبدل نقل وتعويضات عائلية على الطاولة. تتغيّر الأرقام، لكن الآلية لا تتغيّر، إذ تأتي السياسة استجابةً للأزمة بدلاً من أن تكون هناك قاعدة واضحة تحدد متى تراجع الأجور وبالاستناد إلى أي مؤشرات.